زيارات هنية المتكررة الى لبنان!

04 يونيو 2022 - 12:35
بكر أبو بكر
صوت فتح الإخباري:

تحركات وزيارات رئيس المكتب السياسي ل”حماس” تلك الخارجية عامة، والى لبنان خاصة بدأت تتخذ سياقًا مختلفًا عن سياق زيارات فصيل لدولة أو لحزب بعينه، وبالنسبة للبنان تخصيصًا لم تظهر أنها زيارة وديّة فقط للدولة اللبنانية، أو زيارة تنظيمية لكوادر حماس، أوزيارة شعبية الى المخيمات بل تعدتها الى حالة فاقعة لإعلان وجود فاعل، وتثبيت شرعية ناهضة وبديلة في مقابل شرعية منظمة التحرير الفلسطينية. أي ما يضع منظمة “حماس” ثانية في حالة تحدي من قبل محور “الممانعة” الذي تقوده إيران وحلفائها بالمنطقة للمحور المقابل الذي تراه إيران ممثلًا بالاستكبار الأمريكي المهيمن وحليفته دولة الكيان، فيما تراه “حماس” في محاولة بأحد أهم أهدافها بالحلول محل منظمة التحرير الفلسطينية خصمها العنيد والعتيد الذي طال بقاؤه رغم شيخوخته.

تحركات “حماس” الخارجية، لماذا؟

إن غالب الخطوات الحمساوية المتسارعة بدأت تصب في هذا الاتجاه التباعدي، بمعنى العمل المكثف لاثبات الذات المتعاظمة، واثبات الوجود والشرعية “النضالية” لمرحلة ما بعد الرئيس عباس، التي درستها ورأتها قريبة، وخلُصت لعدة احتمالات/سيناريوهات افترضت ضرورة تحركها من الآن.

أن “حماس” بعد مباحثات جبريل- العاروري التي كانت قاب قوسين أو أدنى من التطبيق، وبعد حجة الابتعاد نتيجة الغاء الانتخابات التشريعية، وبعد معركة القدس من الجلّي أنها قد ضربت عرض الحائط بفكرة التخلي عن الانقلاب في غزة، أو التقدم نحو تطبيق بنود المصالحة، التي تعني التنازل عن الكثير من سلطتها الوثيرة بغزة، وذلك بالطبع ضمن الخطاب الكلاسيكي بالأسود والابيض (خطاب الفسطاطين/المعسكرين) بالمقاومة مقابل المساومة والتنسيق العلني مقابل التنسيق السري أي ما تحت الطاولة.

خاضت قيادات”حماس” محاولات متكررة-ولم تكف عنها- أن ترث منظمة التحرير الفلسطينية وخاصة فيما كان قد حدث في دمشق ما قبل الأحداث الداهمة بسوريا عام 2011م، ومن قبل خالد مشعل أساسًا، واستتباعاً لما جاء بالميثاق 1988م، والانتفاضة، ونتيجة لأحداث عديدة أدت لانكفاء “حماس” عن الخوض في آليات التقارب ضمن الملف الفلسطيني. فهي قد قررت على ما يظهر أن تقوم بخطوات جادة لتكريس حضورها السياسي-الميداني المتباعد والمستقل سواء في غزة اوالضفة أو لبنان والخارج.

إن عوامل الحِراك الحمساوي الخارجي الجديد نبعت الى ما سبق من أن “حماس” قد افترضت بذاتها القوة الوحيدة المتألقة في الساحة، خاصة بعد معركة “سيف القدس” التي رأتها معركتها هي حصريًا نحو النصرالثلاثي على الإسرائيلي، وضد الخصم الداخلي، وفي مواجهة جماهير الشعب، وذلك دون الالتفات “للجهاد”، أو”فتح”، أو قوة الشارع في الضفة والقدس الذي لا سيطرة لها عليه، والذي كان هو بالواقع من حقّق نصر الأمة بمعركة القدس وما سبقها وتلاها بكافة مكونات هذا الشعب البطل، ما لايُحسب لفصيل مهما ظن بذاته الظنون.

نضيف لعوامل الحراك الحمساوي ” التمثيلي المستقل” التباعدي هذا حالة الانفكاك النفسي والاجتماعي والإداري التي حققتها “حماس” بعيدًا السلطة الوطنية الفلسطينية، وساعدها فيها بعض قيادات السلطة الوظيفيين وليس النضاليين قاصدين أو جاهلين، عوضًا عن الآلة الاعلامية الترويجية التي لا تدور الا وفي ذهنها الخراب القادم من جهة، مقابل طُهرانية الآخر ما هو إعلام عقدي/مؤدلج وموجّه يستهوي العقول الكليلة.

لم تستفد حركة “فتح” ولا “حماس” من تجارب المصالحة الفاشلة والمعيبة، ومن الواضح أنهم لم يستفيدوا من تجارب قيادات ثورات فلسطين السابقة، فلم نسمع أو نقرأ نقدًا علنيًا من أيهما، وإن سمعنا بالنقد الفتحوي المرّ داخليًا ولدى كثير من الأقلام، فإن مثل ذلك يغيب في داخل “حماس” النواة العميقة بالأخص التي لم تتعلم كيف تستفيد من فشلها بالاقتراب نحو الشقيق أكثر وليس بالابتعاد (لربما خالد مشعل بوثيقة الدوحة الوسطية عام 2017 مثل حدثًا متمايزًا كليًا لم يلقى القبول الحقيقي داخل “حماس”).

لم تتمكن “حماس” -وهي اليوم تعمل جاهدة- على النفاذ لداخل الضفة الغربية، ليس لحرب الإسرائيلي، وإنما فقط لمناوءة السلطة وإسقاطها ما دعت له علنًا وبصفتها الوريث الشرعي الاوحدّ! وهي بفشلها هذا تركب موجة عمليات كتائب شهداء الأقصى التابعة ل”فتح” وكتائب سرايا الجهاد، دون أن تُقدّم أي فعل ميداني حقيقي مثيل ومؤثر بهذا الاتجاه ضد الاحتلال، والاحتلال فقط، تحت حجة ملاحقات السلطة لها! وهي الملاحقات الضعيفة الحجة لأنها التي لا تستطيع منع الفعل من قبل الجهاد وكتائب الأقصى وغيرهما! ولكنها تنجح معها فقط كما تقول!؟

من الاستخلاصات الحمساوية

استخلصت “حماس” من حالة “التمكين” في (دولة) غزة، وعبر انفكاكها الفعلي والمقصود من تيار عميق فيها عن السلطة الواحدة، وبقدرتها على تكميم الأفواه ومنع أصوت الآخر بكافة الأشكال وبمنع الانتخابات، وضبطها الحديدي للسلاح الميداني بعدم إطلاق أي رصاصة التزاما ب”التنسيق الأمني” مع الإسرائيلي استخلصت أنها قَدَرالأمة وسيفها البتار، لذلك كانت الخطابات والتحركات التي تؤكد على الصدارة والقوة بالكلمات المرتبطة بزمن دون حقيقة في الأفق تجعل من الكلمات حقيقة.

إذ كنا ننظر أو نحلل مواقف “حماس” بهذا الاتجاه التباعدي والمستقل والاقصائي لما سواها من الكل الوطني، فإننا لطالما دعونا أن تتزحزح عنه-وقلنا ما يشبهه لحركة فتح بوضوح وبأكثر من مقال- لصالح تمتين البناء الداخلي بالاقتراب ضمن مبدأ الاعتراف بالآخر والتقبل للاختلاف والتجاور بذات المساحة المشتركة، وبالالتزام بالبرنامج الوطني الشامل وبعدم التفكير بالوراثة وعِزّة “التمكين” الفارغة، فإننا نرجّح أن مواقف “حماس” في ظل المتغيرات الاقليمية والعالمية بدأت تفترض أنه حان موسم القطاف متجاوزة البُعد الوطني.

خطاب هنية

قال هنية في خطابه في لبنان بتاريخ 26/6/2022 : أن غزة المحاصرة منذ أكثر من 15 عامًا تستعد لمواجهة استراتيجية مع الاحتلال الإسرائيلي، لافتًا إلى أن 150 صاروخاً ستدك الاحتلال في أقل من خمس دقائق!

وأضاف هنية أن: “سيف القدس الذي أشهرته المقاومة سيظل مشهراً حتى تحرير القدس وكل فلسطين”، مشددًا بتناقض واضح مع ما سبق من تهديدات ضخمة على أنهم “واقعيون ونتعامل مع الواقع بمقتضاه؟”.

وفي رسالته العاطفية الخطيرة لمخيمات اللجوء، طالب هنية أهالي المخيمات بأن “يجهزوا أنفسهم”، فالعودة باتت قريبة!؟ ما يذكرنا بقصة مفاتيح البيوت حين خرج أهلنا الفلسطينيون من وطنهم فلسطين لأماكن اللجوء!

ونحن لا نختلف معه على أن العودة حتمية بإذن الله وسعي المناضلين، ولكن أن يطالب بتجهيز أنفسهم أي بتجهيز الحقائب والشنط (المفاتيح بحالة النكبة) يعني أنها ستتم خلال سنوات معدودة على أصابع اليد، أو أشهر قريبة جدًا ما هو إما أن هناك معركة عسكرية داهمة، أو سياسية قادمة قريبًا ما لا يفصح عنها تحليل الميدان بتاتًا، فلا يبقى الا أن الكلام مجرد دغدغة وإثارة حماسية غير مقبولة لمشاعر الناس ما يذكرنا بخطابات فتحي حماد من سنوات:الذي نصّب خريجي الشرطة لديه كمدراء للمخافر في حيفا ويافا وعسقلان منذ حينه آنذاك!

خاطب هنية الإسرائيليين بالقول: “من لبنان المقاومة، ستتحطم أحلامكم، ولا مكان لكم في القدس والأقصى، وأمتنا العربية والإسلامية هي أولى بالقدس”. وفكرة “لبنان المقاومة” هذه التي قالها تعلن الانحياز لمحور (وليس لفكرة) على حساب آخر ما هو شأن اللبنانيين الذي كتبوا الكثير بالموضوع.

وقال في تحليل ضعيف متى ما ارتبط بزمن قريب: إن “الكيان في حالة تفكك سياسي وعلى طريق الفوضى التي تعكس انسداد المشروع الصهيوني”، معتبرًا أن “أول هزائم الاحتلال هو التفكك من الداخل”. ولو كان الأمر كذلك فإن التفكك يصيب العالم بمجمله اليوم! وأوله عالمنا الفلسطيني الداخلي الذي هي منه!

والى ذلك وعد رئيس “حماس” بالعمل على تخفيف معاناة أهلنا في المخيمات الفلسطينية بلبنان، مضيفا أننا “سنستمر في حملات الإغاثة لتعزيز صمود شعبنا في لبنان”. فكانت اللطمة من الحكومة اللبنانية أن أشارت الى أن المعني الأول باللاجئين هو منظمة التحرير الفلسطينية، وليس فصيل بعينه.

وتحدث عن ذراعه الطويل والردع، وفكرة الردع هذه بحاجة لنقاش مستفيض فهي بلا قيمة حين توزع الجهود، وحين اختلال الميزان بافتقاد الوحدة الوطنية والدعم العربي اللازم والذي لا غنى عنه، ونحن نرى ما لايَسُر.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق