"هآرتس"تفنيد أسطورة الدولة اليهودية الديمقراطية

19 أكتوبر 2021 - 08:25
صوت فتح الإخباري:

بقلم: عومري بوهم
سُررتُ لنشر مقال البروفيسور يهودا باور ("يسار متطرف يتحول يميناً متطرفاً"، "هآرتس"، 7/10). تنبع أهمية هذا المقال من حقيقة أنه بدلاً من مواصلة الجدال حول موضوع تعريف اللاسامية، قام باور باستدعاء النقاش في مسألة المواطنة في دولة يهودية ديمقراطية. وفي إمكانية سياسة ثنائية القومية. لن يُبعث شبح اليسار الإسرائيلي الى الحياة قبل إجراء نقاش جدي حول هذين الموضوعين.
حسب باور، لا يوجد في فكرة الدولة اليهودية الديمقراطية أي تناقض؛ لأنه لا يوجد "تناقض مبدئي" بين اعتبارها دولة تعكس "هوية شعب معين" وبين مبادئ الديمقراطية، مثل المساواة. ذكر باور فرنسا، التي هي بلا شك دولة ديمقراطية وفي الوقت ذاته هي "دولة الشعب الفرنسي". وواصل قائلا: مثلما أن فكرة الدولة الألمانية الديمقراطية أو الدولة الإيطالية الديمقراطية لا يوجد فيها أي تناقض، فإنه لا يوجد أي تناقض بين كون إسرائيل دولة ديمقراطية وبين كونها الدولة القومية للشعب اليهودي.
هذا ادعاء معروف. أفضل المفكرين في إسرائيل يصممون على الدفاع عنه. اعتبره القاضي اهارون براك اساسا لقوانين الاساس عندما تحدث عن "جمعية" يهودية ديمقراطية بدلا من التناقض ("حرية الانسان في دولة يهودية وديمقراطية"، "هآرتس"، 15/2/2018). ايضا البروفيسور موشيه هلبرطال، الذي قال، إن الديمقراطية لا ترتبط بحيادية قومية. لذلك لا يوجد أي فرق بين إسرائيل وبين "الدول القومية الاوروبية"، ("هل يمكن أن تكون هناك دولة يهودية وديمقراطية؟"، "هآرتس"، 27/4/2013).
على هذه القاعدة يبني باور في مقاله فرضية "حذوة الفرس": يساريون يشككون في فكرة اليهودي الديمقراطي وينفون فعليا وجود شعب يهودي أو حقه في السيادة، وهو حق تمتلكه الشعوب الاخرى. هكذا، في حركة "حذوة الفرس" يتحد اليسار "المتطرف" مع اليمين اللاسامي.
اليسار في إسرائيل لن يكون له مستقبل اذا لم يتنازل عن هذه الفرضية. ادعاء أنه لا يوجد أي تناقض مبدئي بين بنية الدول القومية الاوروبية وبين امكانية تحقيق المساواة الديمقراطية الصحيحة غير حقيقي، لأن التشابه بين مفهوم المواطنة في اوروبا وبين مفهوم المواطنة في إسرائيل غير حقيقي. ايطاليا، ألمانيا وفرنسا هي دول القومية الإيطالية، الألمانية والفرنسية. إسرائيل، كما هو معروف، ليست دولة إسرائيلية، بل يهودية. خلافا لإيطاليا التي تعبر عن سيادة الشعب الإيطالي فإن إسرائيل تعبر عن سيادة الشعب اليهودي وليس الإسرائيلي. في حين أن الاقليات اليهودية أو الاسلامية في إيطاليا، من خلال المواطنة، هي من ابناء الشعب الإيطالي صاحب السيادة (فقط العنصريون أو اللاساميون الإيطاليون ينكرون ذلك)، فإن الفلسطينيين في إسرائيل لا يعتبرون جزءا من الشعب صاحب السيادة. هذا هو السبب الذي من اجله، خلافا للاقليات في اوروبا، فإن الفلسطينيين في إسرائيل لا يعتبرون مواطنين متساوين.
محاولة الحفاظ على المساواة بوساطة "جمعية" من اجل التغلب على التمييز البنيوي المدمج حكم عليها بالفشل. سبب ذلك يكمن في افتراض اساسي في الديمقراطية وهو أن القوة مفسدة. فالافراد والمجموعات والطبقات صاحبة القوة الزائدة بالضرورة ستستغل قوتها من اجل تعميق عدم المساواة وسلب السيادة من أيدي المواطنين. فصل السلطات والفصل بين الدين والدولة، مثلما يقتضي الدستور، والحفاظ على مبدأ الحيادية، كل ذلك استهدف منع المجموعات القوية (لنقل اليهود) من تحويل الدولة من كيان عام (جمهورية) الى كيان خاص.
لذلك، الفكرة التي بحسبها (في عالم معدل) يمكن اقامة دولة يهودية، فيها اليهود سيعطون الفلسطينيين مساواة في الحقوق، هي الفكرة لا تعمل ولو حتى نظريا. لو أن هذه الفكرة كانت قابلة للصمود وسليمة لكان يمكننا التنازل عن الديمقراطية من البداية وتحويل السلطة الى زعيم حكيم ومتنور، يضمن الدفاع عن حقوقنا جميعا. هذه الفكرة معروفة على الاقل منذ جمهورية افلاطون، لكنها ليست فكرة ديمقراطية. لا يوجد أي سبب للافتراض بأن الشعب اليهودي المتنور سيعطي الفلسطينيين مساواة في الحقوق في دولته الخاصة. في دولة ديمقراطية، الشعب صاحب السيادة يعطي الحقوق لنفسه. لذلك من المهم جدا الحفاظ على المبدأ الذي يقول: حتى الدول القومية تعود بشكل متساو لجميع مواطنيها.
حتى في اوروبا تعمل احزاب تريد اضعاف مبدأ المواطنة وتعزيز المبدأ القومي – العرقي. هذه الاحزاب توجد على هامش اليمين غير الشرعي، وهي تميل وبحق، نقول هذا بألم، الى استخدام نموذج إسرائيل من اجل تبرير فكرة الديمقراطية العرقية. حزب اليمين في ألمانيا "إي.اف.دي" مثلا، يريد تحويل ألمانيا الى ما اعتاد اليسار في إسرائيل على اعتباره أمرا مفهوما ضمنا، وهو دولة ديمقراطية ومسيحية.
هذه الاحزاب تعتبر احزابا خطيرة وبحق. اذا نجحت فإن المسلمين واليهود في اوروبا سيجدون انفسهم في مكانة تشبه مكانة الفلسطينيين في إسرائيل، اي مواطنين لكن من الدرجة الثانية. هنا تكمن الاهمية الحقيقية لادعاء انعطافة "حذوة الفرس" لباور، التي هي بانعكاس فرويدي تكشف وضع اليسار الإسرائيلي. وهو اليسار الذي لم يوافق على عرب في الكيبوتس وقام بتهويد الجليل واقام المستوطنات؛ اليسار الذي فعل كل ذلك بمصادقة محكمة يهودية – ديمقراطية، صادقت ايضا على هدم بيوت الفلسطينيين لغرض الردع والاعتقال الاداري بالجملة؛ اليسار الذي يجلس، الآن، في الائتلاف مع مؤيدي "الابرتهايد" والترحيل من اجل انقاذ سلطة القانون التي تسمح بهذا التصنيف، ولم يبق له غير التحذير من مبدأ المواطنة واعتباره "يسارا متطرفا" لـ"إسرائيليين سابقين"، في حركة "حذوة فرس" يتحولون الى "يمين متطرف". الحقيقة معاكسة. اليسار الإسرائيلي، الذي يسمى معتدلا، وصل الى اليمين المتطرف في خط مباشر كليا.
ازمة سياسية حقيقية تحدث عندما "يموت القديم ولا يولد الجديد بعد"، قال انطونيو غرامشي. مثقفو "الهيمنة"، قال، يزيدون من حدة الازمة عن طريق أنهم بدلا من ايجاد مبادئ جديدة هم يثبتون الحنين الى الماضي. إسرائيل توجد في ازمة من النوع الذي وصفه غرامشي منذ زمن. الشعارات المعروفة مثل "يهودية – ديمقراطية" و"دولتان" سرعان ما تحولت الى شعارات فارغة. هذا لا يعني أنه توجد لدينا حلول سحرية بديلة. الخوف من افكار مساواة مدنية في دولة ثنائية القومية هو خوف ليس دون اساس، ومخاوف مشابهة معروفة ايضا من اماكن اخرى. في جنوب افريقيا، مثلا، كان البيض على قناعة بأن السود سيقومون بذبحهم عند انتهاء نظام "الابرتهايد". وساد خوف ايضا في دول الجنوب عند انتهاء الحرب الاهلية في الولايات المتحدة.
في هاتين الحالتين كانت وما زالت مشكلات. ولكن نبوءات المذابح الفظيعة تبين أنها خاطئة. سياسة فيدرالية ثنائية القومية هي في هذه الاثناء البديل الديمقراطي الوحيد لفكرة دولتين من جهة، و"تقليص النزاع" الذي هو ليس سوى فكرة "الابرتهايد المتنور" في رزمة جميلة، من جهة اخرى. سيكون من الغباء رفضها باعتبارها "هستيريا فكرية"، والعزف على وتر الكارثة (حل "الابادة الجماعية" و"المساواة في المقابر")، بدلا من مناقشتها بطريقة جدية. ليس من السهل اعادة صياغة مبادئ اليسار في إسرائيل، لكن يمكن ويجب البدء بفعل ذلك.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق