تونس إلى أين؟

25 سبتمبر 2021 - 07:29
صادق الشافعي
صوت فتح الإخباري:

الخلاف على تسمية الحراك الذي قام به الرئيس التونسي سعيّدّ في 25 تموز لم يكن هو المهم، وهو ما يزال كذلك.
المهم، هو مسار الحراك ونتائجه: ما حققه ويحققه بمقياس متطلبات الوضع التونسي العام واحتياجاته الأساسية.
كان التقدير السائد أن نتائج الحراك تحتاج لمدة شهر تقريباً حتى تتبلور وتخرج للعلن وللناس على شكل إجراءات تطال النظام التونسي العام ومؤسساته وهيئات الحكم فيه، ومن ثم بالتالي توجهاته القادمة. وقد تطال تلك الإجراءات بعض رموز النظام المسؤولة، وربما أيضاً بعض الرموز الحزبية.
بعد مضي شهرين على الحراك لم يكن قد تبلور بشكل محدد أي ترتيب جديد أو إجراء أو تغيير أساسي. هذا إذا استثنينا إجراءات محددة ومحدودة ذات طابع سلبي أهمها إقالة الوزارة التي كانت قائمة ورئيسها ورفع الحصانة عن بعض الرموز ووقف صلاحية ومسؤولية مؤسسات محددة، أهمها المجلس التشريعي.
لكن حالة عدم التبلور الموصوفة لم تلغِ حقيقة استمرار الدعم الجماهيري العام للحراك كما اظهرته استطلاعات الرأي. ولا تلغي أيضا، تأثير الحراك السلبي على بعض القوى السياسية وبشكل خاص حركة النهضة (الإخوان المسلمين) التي انتشرت الخلافات في صفوفها على كل المستويات وضعف دورها وقوة تأثيرها الجماهيري بشكل ملحوظ.
واستمر الوضع العام يفتقر كثيراً إلى التحديد والتبلور ودون  مؤشرات الى قرب وصوله لحالة التبلور والتحديد المطلوبة.
هذا الوضع العام فرض في حينه سؤالاً أساسياً:
هل أفلتت الأمور من يدي الرئيس سعيّد بشكل لا إرادي ولم يعد يعرف او يقدر على التحكم بها والسيطرة عليها وتوجيهها بالاتجاه الذي يريد؟
فرض هذا السؤال وبرره حقيقة ان الرئيس سعّيد هو من بادر الى الحراك وهو من يقوده وهو الذي يتخذ الإجراءات والقرارات ويحدد التوجهات. يقوم بكل ذلك وحده بلا قيادة حزب او ائتلاف قوى وأحزاب او هيئة أركان او أي تشكيل قيادي من أي نوع.
اللهم الا إذا كان هناك معه من وراء ستار تشكيل قيادي او حتى استشاري ما، او جهة داعمة، وطبيعي ان تتجه الشكوك في مثل هذه الحالة باتجاه الجيش او بعضه رغم عدم وجود اي مؤشرات تعزز هذه الشكوك.
وبرر نفس السؤال أيضاً، عدم وجود مؤشرات على اتجاه قريب او مسعى محدد وجاد للخروج من هذا الحال، وكذلك الخوف من الانزلاق إلى الفوضى ومن تطوره إلى مستوى ودرجة يصعب السيطرة عليها.
ويبقى هناك وفي الأساس، التخوف الإيجابي والحرص على حراك التغيير الذي بادر اليه الرئيس سعيّد من الذهاب باتجاه الفوضى، ومن دخول ما جاء به من أفكار ومشاريع تغيير إيجابية وضرورية لدولة تونس وتقدمها ولأهل تونس وقواها الوطنية والمجتمعية، دخولها في دوائر المتاهة والضياع، وربما الفوضى.
رغم كل ما تقدم فإن الأمور استمرت حتى الأيام الأخيرة القليلة تحت السيطرة.
ساعد في ذلك كثيراً، حالة النضج المتقدمة والتجربة الغنية التي يمتلكهما المجتمع التونسي بشكل عام وقواه الشعبية والمجتمعية.
وبرز متميزاً من بين هذه القوى اتحاد الشغل التونسي (الاتحاد العام لنقابات عمال تونس).
فقد تميزت مواقفه بالتوازن والموضوعية والثبات وظلت أقرب الى تأييد الحراك الذي أطلقه الرئيس لجهة المبدأ، وكذلك في التعاطي مع التطورات والمتغيرات والمصاعب التي نشأت بمنهج وطني موضوعي ثابت ومتوازن، وبمواقف ومقترحات ناضجة ومتوازنة، وتلتزم المصالح الوطنية في نفس الوقت.
لكن المواقف والإجراءات التي أعلن عنها الرئيس في الأيام القليلة الماضية، جاءت لتقلب الصورة الموصوفة بدرجة واسعة جداً ولتدفع الأمور باتجاه يعطي درجة من المصداقية لحديث الانقلاب. وجاءت لتعطي مصداقية أيضاً، للمخاوف من إعادة تونس الى نظام رئاسي أساسه الفردية والانفراد بالحكم وعلى حساب نظام المؤسسات الديموقراطية القادمة من الشعب وإرادته الحرة، والتي ناضل الشعب التونسي وقواه من اجل إيجادها وتكريسها.
ولتعطي مصداقية للمخاوف من وضع البلاد وقواها في حالة من الصراع بين القوى السياسية والقوى الشعبية أيضا مع الرئاسة.
وجاءت لتضع السؤال عمن يدعم الرئيس سعيّد في إجراءاته تحت دائرة ضوء أكثر سطوعاً.
يؤكد هذه المخاوف ان معظم، وربما كل، القوى السياسية والشعبية تقريباً، أعلنت، وبدرجات مختلفة من الحدة عن رفضها للإجراءات والمواقف التي أعلن عنها الرئيس. وبدأت الدعوات للتصدي للإجراءات وللتعاون في ذلك تخرج من أكثر من قوة وحزب.
ولم يشذ اتحاد الشغل الذي تمت الإشارة الى نضج وموضوعية مواقفه عن القاعدة في رفضه للإجراءات الأخيرة والتحذير من مخاطرها.
الأيام القادمة ستكون حبلى بالتطورات في تونس - وبالمخاطر أيضا - مع التطلع الآمل أن تنجح قوى تونس بما لها من رصيد واسع وعميق من الوطنية ومن الخبرة النضالية في الخروج من هذا القطوع بأفضل النتائج والحلول، بشكل ديموقراطي سلمي، لتبقى تونس في حال دائم من الأمان والسلام والتقدم.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق