«معاريف»الجيش الإسرائيلي لم يحقق «الهدف المركزي» المواجهة التالية في غزة.. مسألة وقت

26 يوليو 2021 - 08:06
صوت فتح الإخباري:

بقلم: تل ليف رام

عدد القتلى المتدني نسبيا لـ»حماس» في حملة «حارس الاسوار»، بمعنى أن بند الفتك الذي وضعه الجيش الإسرائيلي في رأس سلم أولوياته شرطاً للانجاز في مواجهة عسكرية مع «حماس» ايضا، لم يجد تعبيره في الحملة الاخيرة، يشرح بقدر كبير صعوبة الوصول الى تسوية في المحادثات التي تجرى مع «حماس» بوساطة مصرية.
مع انتهاء المعارك وضعت إسرائيل مستوى عاليا جدا من الشروط تجاه «حماس»، في ضوء ما يرونه في الجيش الإسرائيلي انتصاراً واضحاً في الحملة الاخيرة. بالمقابل يصف المصريون واقعا آخر تماما. يحيى السنوار، زعيم «حماس» في غزة، أصابه الغرور؛ بأنه انتصر على إسرائيل بسبب قوة صموده والربط الذي نشأ بين «حماس» والقدس والشعبية العالية التي تحظى بها في اعقاب الحملة في شوارع غزة، مثلما في الضفة ايضا.
في مداولات «الكابينت» الأخيرة وصف مسؤولو الجيش الإسرائيلي أزمة حقيقية في العلاقات بين السنوار وقائد الذراع العسكرية لـ»حماس»، محمد ضيف، الذي يسعى الى اتخاذ خط أكثر اعتدالاً يؤدي الى تسوية وليس الى تصعيد آخر. خط السنوار في هذه المرحلة هو الخط السائد، والأسبوع القادم سيقرر بشكل أوضح إذا كان الاتجاه هو بالفعل نحو تصعيد آخر وليس الى تسوية. حتى، الآن، فشلت مساعي الوساطة المصرية تماما؛ لأن الطرفين يتمترسان في أعماق مواقفهما، وكل واحد واثق بانتصاره، ويرغب في أن يجد هذا تعبيره في إنجاز سياسي واضح.
صحيح حتى الآن، أن اختراقا بقيادة مصرية يبدو بعيدا عن العيان، الا إذا تخلت إسرائيل عن الخطوط والشروط التي وضعتها في نهاية الحملة، حيث ان اعمار غزة من ناحيتها لا يمكنه ان يبدأ الا بعد حل مسألة الاسرى والمفقودين، وتغيير آلية إدخال أموال المساعدات من قطر ودول اخرى، بحيث لا تتم الدفعات إلا من خلال السلطة الفلسطينية، والرقابة على ادخال البضائع وغيرها من الشروط.
فجوة المفاهيم بالطريقة التي يرى فيها كل طرف نتائج الحملة الاخيرة واسعة جدا، وهنا ايضا توجد عقدة إسرائيل و»حماس» على حد سواء. فكل تنازل أو مرونة في الشروط يمكن أن يعتبر هزيمة، ويؤدي الى انتقاد جماهيري. هدوء الأيام الاخيرة مضلل، وكلما مر الوقت دون توافقات تزداد الاحتمالات لمواجهة اخرى في القطاع.
خطأ في العدد
بعد شهر من انتهاء الحملة، من الأهمية بمكان أن نتوقف عند الوثيقة التي وضعها ونشرها، هذا الاسبوع، مركز معلومات الاستخبارات والارهاب. يفحص التقرير بعمق معطيات القتلى في قطاع غزة في الحملة. هذه وثيقة معلوماتية وأساسية، وإن كانت تمتنع عن استخلاص الاستنتاجات وعن النقد، ولكن الصورة التي تنشأ عنها واضحة: عدد القتلى الذي يمكن في هذه المرحلة الإشارة اليه بشكل مؤكد لـ»حماس» ولمنظمات «الارهاب» الاخرى في القطاع أدنى بكثير مما قدروا في الجيش الإسرائيلي في نهاية الحملة، وبالتأكيد عن التوقعات منها قبل الانطلاق اليها.
ومع ان مركز المعلومات يشير الى امكانية انه قد لا يزال هناك قتلى آخرون لم يشخصوا بعد او لم ينشلوا من تحت الانقاض ولكن يمكن الافتراض انه بعد شهر من انتهاء الحملة، حتى لو كان هناك «مخربون» آخرون ولم ينشر امر مقتلهم، فإن الصورة العامة لن تكون مختلفة على ما يبدو اختلافا جوهريا.
وحسب المنشور فإن 234 فلسطينيا قتلوا في اثناء «حارس الاسوار». وحسب المعطيات التي جمعها مركز المعلومات من مصادر مختلفة فإن ما لا يقل عن 112 منهم كانوا نشطاء في منظمات «الارهاب». في نهاية الحملة قدر الجيش بأن عدد نشطاء «الارهاب» الذين قتلوا في اثنائها أكثر من 200.
نسبة القتلى بين نشطاء «الارهاب» والمدنيين في القطاع تقف عند نحو 1:1، اي مقابل كل قتيل مدني مقتل نشيط «ارهابي». وهذه نسبة مشابهة لتلك الحملات الاخرى في قطاع غزة والتي نفذت من الجو، وتعتبر جيدة مقارنة بجيوش أخرى في العالم تقاتل ضد منظمات ارهابية تعمل في ظل استغلال السكان كدرع بشرية.
في الحرب بالطبع كل شيء نسبي، وبين القتلى ايضا 52 طفلا و38 امرأة. نحو 40 من القتلى المدنيين انهوا حياتهم نتيجة لانهيار مبنيين اثناء الحملة بعد أن هاجم سلاح الجو أنفاقاً ادى المس بها الى انهيار مبان تحت الارض، وليس نتيجة لاصابة الصواريخ للمباني. معطى مهم آخر يشير الى ان 21 شخصا بينهم على ما يبدو 13 مدينا ايضا قتلوا نتيجة لاطلاق فاشل لصواريخ سقطت في اراضي القطاع او تفجرت في زمن اطلاقها. من اصل 4.360 صاروخا اطلقت نحو إسرائيل اثناء الحملة، سقطت 680 منها في اراضي القطاع، والجيش الإسرائيلي بالمقابل هاجم نحو 1.500 هدف، واعترضت منظومات الدفاع نحو 2.000 صاروخ.
في إسرائيل، قتل اثناء الحملة 12 شخصا، منهم 8 مدنيين وطفلان. 3 مواطنين اجانب وجندي قتل باصابة صاروخ مضاد للدروع. ومن بين نشطاء «الارهاب» الذين قتلوا في الحملة حسب التقرير 63 فقط معروفون كنشطاء لـ»حماس»، 25 نشيطا لـ»فتح»، و20 نشيطا لـ»الجهاد الاسلامي»، 2 من نشطاء «الجبهة الشعبية» وقتيلان آخران يتبعون لمنظمات «ارهاب» اخرى.
التعمق في بحث المعطيات في التقرير يظهر صورة مذهلة أكثر. 37 من نشطاء «حماس»، من اصل 63، قتلوا في الأيام الاولى من القتال، حتى قبل تفعيل خطة الخداع ومهاجمة شبكة الانفاق في الليلة التي بين 13 و 14 ايار. عمليا، بعد الهجوم على الميترو، فإن عدد القتلى من «حماس» بالمتوسط اليومي انخفض كلما استمرت الحملة. حتى نهاية الحملة على الاقل حسب المعطيات في هذه اللحظة، قتل 26 آخرون فقط، اي اقل مما قتل من «حماس» في يومين ونصف من المعركة في البداية.

التوازن والتواضع
من ناحية الجيش الإسرائيلي، كانت «حماس» هي الهدف المركزي في الحملة الاخيرة، واليها وجهت معظم المقدرات. واستهدفت الحملة المس بقدرات منظمة «الارهاب»، ومواقع الانتاج، والمعامل والمنشآت العسكرية المهمة وبالتوازي نزع انجازات منها في الجبهة الداخلية الإسرائيلية وقدراتها الهجومية في البحر، وفي الجو، وفي البر وفي الانفاق. الى جانب ذلك، فإن أثر الفتك من خلال مس واسع بنشطاء «حماس» وكبار مسؤوليها، شكل هدفا مركزيا آخر.
في الحملة الأخيرة، حسب آخر المعطيات من التقرير، فإن هذا المفهوم في نهاية المطاف لن يجد تعبيره في النتائج على الأرض، المسألة التي تطرح السؤال اذا كان ممكنا على الاطلاق تحقيق هدف كهذا دون تفعيل قوات برية. مهما يكن من أمر، فإن مقابل الاهداف التي قررها الجيش الإسرائيلي بنفسه، لا يمكن الامساك بالحبل من طرفيه والتعاطي مع «حارس الاسوار» كحملة ناجحة بشكل استثنائي عندما يكون واضحا انه كانت في هذا المعطى فجوة كبيرة.
حقق الجيش الإسرائيلي في الحملة الاخيرة انجازات مهمة لا ينبغي الاستخفاف بها تمثلت بالمس بقدرات «حماس». وتعبر الإنجازات جيداً عن تقدم عملياتي، تكنولوجي واستخباري. كما ان للمس بشبكة الانفاق سيكون تأثير في المستقبل على الميدان القتالي مع «حماس». ولكن إلى جانب ذلك فقد كان الجيش الإسرائيلي هو الذي وضع كهدف مركزي بند الفتك كشرط لانتصار واضح، حتى في معارك محدودة ليست ضمن مهمة هزيمة العدو. لم يستوفِ الجيش الإسرائيلي هذا الهدف، ويجب أن نقول هذا بشكل واضح كي نستخلص الدروس المناسبة، والتعاطي مع انجازات الحملة الاخيرة بالتوازن والتواضع الصحيحين.
هذه الفجوة، الى جانب المس المحدود وغير الكافي بقدرات «حماس» الصاروخية، الى جانب انجازات في الوعي مبالغ فيها من الجهة الاخرى والتي يعزوها السنوار لنفسه في الحملة الاخيرة، هي التي توجد في اساس عدم القدرة على التقدم في المفاوضات في القاهرة، والتي في هذه الاثناء لا تؤدي الى اي مكان وربما اساسا الى المواجهة التالية.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق