الدرس الأميركي..!!

19 يناير 2021 - 08:30
حسن خضر
صوت فتح الإخباري:

إذا كانت الأمور بخواتيمها فقد فعل ترامب بأميركا ما فعل السادات بمصر: وضعها على حافة الهاوية. تبدو المقارنة للوهلة الأولى ظالمة فالثاني أشرف وأنظف من الأوّل بما لا يُقاس. ولن تستقيم المقارنة ما لم نضع في الحسبان خصوصيات أميركية ومصرية لا تخفى على أحد. لذا، فلنبق حدقة العين على وجهٍ رئيس للشبه: إطلاق قوى اجتماعية وأيديولوجية، وركوب موجتها لقلب ميزان القوى الداخلي، وتحقيق مصالح خاصة وعامّة.
الشعبوية، والمركزية العرقية، وكراهية الغريب، وعقلية المؤامرة، والنزعات الدينية الخلاصية الإرهابية والسلمية، كلها سبقت ترامب، وكلها ظواهر عضوية في بنية المجتمع الأميركي، ولكل منها شواهد وتجليات اجتماعية وأيديولوجية منذ الحرب الأهلية، ولكن ترامب الشخص والظاهرة نقلها من هامش الحقل السياسي إلى المتن.
فرأس الدولة (كائناً ما كان) صاحب نفوذ وتأثير على الرأي العام حتى في أعرق الديمقراطيات. وقد كان في ترامب الشخص والظاهرة، وما زال، ما مثّل في نظر ما لا يحصى من الأميركيين، انزياحاً يُشبع حاجات أيديولوجية، واجتماعية، وسياسية عميقة:
الوقاحة، العدوانية، كراهية السود والنساء (والمسلمين، وكل غير البيض، طبعاً) وتقويض الثقة بالحقيقة، والقانون، والمؤسسات، وبيع الأوهام، والكيل بمكيالين، وتضميد جراح نرجسية. وهذا كله لتحقيق مصالح وبرامج ممولي الجمهوريين الاقتصادية والاجتماعية، وتوسيع القاعدة الانتخابية للحزب، والبقاء في سدة الحكم قدر ما يستطيع، وربما إنشاء سلالة حاكمة جديدة.
أما السادات ـ الذي عاش في بيئة التنظيمات السرية، والتحق بحركة الضباط الأحرار، التي قلبت الحكم في مصر، وغيّرت وجه مصر، وموازين القوى في العالم العربي، والذي عاش بلا مأثرة تُذكر في ظل عبد الناصر القوي، وجاء بعده إلى سدة الحكم كمرشح تسوية بين متصارعين ـ فقد غيّر وجه مصر، وقلب موازين القوى، على طريقته، في العالم العربي: اختار لنفسه لقب الرئيس المؤمن، بدأ مشروع الانفتاح، والأسلمة، واستعان بالإخوان المسلمين في الحرب على اليساريين والقوميين، في مصر وخارجها، على طريق تصفية الميراث الناصري، وإعادة التموضع في معسكر اليمين الديني الرجعي والمحافظ في العالم العربي.
وفي سياق كهذا، لا يمثل ترامب، ولا السادات، شخصية مثالية في أعين حلفائه ومناصريه، بل يمثل فرصة ذهبية من عيار تاريخي، و»نعمة» هبطت عليهم من السماء. (تناولتُ في معالجات سابقة نظرية «ركوب النمر» حتى يتعب، وبعدها يتم القضاء عليه، هذا في السياق الأميركي. أما في مصر فالسادات قتله حلفاؤه، ورغم تأرجح حظوظهم إلا أنهم غيّروا وجه مصر).
وفي سياق كهذا، أيضاً، أنت لا تعرف مَنْ يصعد قطار «الفرصة الذهبية»، ويحتضن بذراعيه «النعمة» التي هبطت من السماء. فهذا خليط عجيب وغريب، يصعب تشخيصه وضبط حركته، (في مصر وأميركا وكل مكان آخر) يضم أشخاصاً من طراز المعتوه الذي رأيناه على منصّة الكونغرس، بعد اقتحام الكابيتول هِل، عاري الصدر ويعتمر قبّعة من الفرو بقرنين كبيرين، ومن طراز مقدّمي البرامج في «فوكس نيوز»، و»الجزيرة» الذين يرتدون ربطات عنق أنيقة، ويدافعون عن «الرأي والرأي الآخر» بعيون تكاد تدمع من التغني بفضائل «التعددية». وما بين هذا وأولئك شيكات المموّلين، وما لا يحصى من المتعطشين للدماء، والحالمين، والمغفّلين المفيدين، والمكبوتين، والباحثين عن قضية. (بالمناسبة ذكرت أم المعتوه أن ابنها يعتقد أنه كائن فضائي، وفي مصر والحواضر الكثير من الكائنات الفضائية، أو التي تتلقى رسائل مباشرة من السماء).
وفي السياق نفسه، أيضاً وأيضاً، ما أن تبدأ عملية الصعود إلى القطار، من جانب أشخاص كانوا دائماً في المحطة، وغيرهم من أفواج الركّاب الجديد، حتى تصبح العملية ذاتية الحركة، وتكتسب قوة دفع وديناميات خاصة، وتتبنى تكتيكات وشعارات، لا تنسجم، بالضرورة، وفي كل الأحوال، حتى مع النوايا الأساسية للملهمين الأوائل، ولا أصحاب رباط العنق، ودفاتر الشيكات.
فهذا ما حدث، مثلاً، عندما وصلت الموجة التي أطلقها الرئيس المؤمن، وحلفاؤه الوهابيون والإخوان، إلى ذروتها الداعشية. وهذه، أيضاً، نهاية محتملة للموجة التي اطلقها صعود ترامب الشخص والظاهرة في الولايات المتحدة. فملّة الدواعش واحدة، حتى وإن فصلت بينهم لغات وأديان وقضايا ومحيطات.
وإذا كان ثمة من درس يُستخلص من الحدث الأميركي، (والدروس كثيرة) فيتمثل، وبقدر ما يتعلّق الأمر بمعالجة اليوم، بضرورة قراءة العلامات الصغيرة، وعدم الاستهانة حتى بأكثرها هامشية، وضرورة تجميع قطع الليغو المتناثرة لتشكيل لوحة أكثر وضوحاً وشمولية:
من علامات بدأت في مصر بمصطفى محمود، ورحلته من «الشك إلى الإيمان»، والشعراوي الذي صلىّ شكراً لله على هزيمة بلاده، إلى بيلي غراهام المبشّر الإنجيلي، ومن إعادة اكتشاف «الإسلام» على يد ماركسيين ويساريين، بعد الثورة الإيرانية، إلى انقلاب ليبراليين أميركيين متشددين على سياسات الحزب الديمقراطي لتشكيل ما سُمّي لاحقاً بالمحافظين الجدد. كل هؤلاء كانوا مجرّد «بروفة» و»طليعة» للوارثين، وحاملي اللواء، في عقود لاحقة في مصر، والحواضر العربية (التي تعرّضت لأكبر عملية غسيل دماغ في التاريخ) وفي أميركا على حد سواء.
وبقدر ما أرى، ما لم ينجح الأميركيون في تشخيص محاولة ترامب الانقلابية، واستنباط الحلول الشافية، فلن يكون السؤال: هل تقع الحرب الأهلية، ويتفكك الاتحاد، وينهار النظام الديمقراطي؟ بل متى يحدث هذا، أو ما يدخل في حكمه؟.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق