«هآرتس»شلومو غازيت كمهندس معماري للاحتلال

26 أكتوبر 2020 - 06:14
صوت فتح الإخباري:

بقلم: آدم راز
«يمكن أن نصف السياسة الإسرائيلية في المناطق كقصة نجاح» كتب شلومو غازيت في نهاية كتابه «العصا والجزرة - الحكم العسكري في يهودا والسامرة» والذي نشر في 1985 (اصدار زمورة بيتان مودن)، «قصة النجاح» الإسرائيلية لم تصمد زمناً طويلا: في نهاية 1987 اندلعت الانتفاضة الأولى والتي قتل فيها أكتر من 1500 قتيل في إسرائيل وفي المناطق. غازيت والذي فوراً بعد حرب 1967 عُين من قبل هيئة الأركان لرئاسة الحكم العسكري في المناطق المحتلة، وبعد حوالي عام عُين ليكون مسؤولا عن كل المنظومة الإدارية - الاقتصادية في المناطق، وكان هو أول من تولى رئاسة «وحدة تنسيق النشاطات في المناطق»، ومارس ذلك طوال 7 سنوات. وكتبه تستخدم حتى اليوم لمعرفة تاريخ السياسة الإسرائيلية في المناطق المحتلة.
غازيت أوضح أكثر من مرة أن مبادئ السياسة التي وضعت في السنة أو السنتين الأوليين للاحتلال الإسرائيلي كانت صالحة ومطبقة لعشرات السنين بعد ذلك - فعلياً جزء منها مازال موجوداً حتى اليوم. في كتابه «مخادعين في الفخ» (اصدار زمورة بيتان 1999) كتب أن السياسات الإسرائيلية في المناطق في السنوات الأولى حققت نجاحا بفضل التطبيق الحذر على الأرض، وبفضل سياسة وزير الدفاع موشي ديان. مع ذلك في مقابلة أجريت معه في معهد دايفس في 1985 (والتي لم تخصص حينها للنشر ومحضرها موجود في أرشيف الدولة)، قال غازيت: «كل ما هو مكتوب كمبادئ (السياسات في المناطق)، قمت أنا بصياغته. ولم يكن هو (ديان) من صاغه». يجدر التوقف عند هذه المبادئ، والتي حسب غازيت هو من صاغها.
غازيت كان متواضعاً (أو حذراً) بما يكفي من أجل ألا ينشر علناً أموراً كهذه. في المقابلة المذكورة أوضح أن كل النظام الذي تعامل مع المناطق كان مرتبطاً بديان، والاتصال به الذي «كان وظيفتي الشخصية». لم يفحصه أحد ولم يسأل احد ماذا حدث بيني وبين موشي ديان. في كتبه كتب غازيت ان ديان كان يعرف كل شيء عما يجري في المناطق. ولكن عندما لم تكن الأمور معدة للنشر قال: «تقسيم العمل بين ديان وبيني كان، انه يعطيني حرية كاملة في العمل في العديد من الأمور التي لا يعرف عنها ولم يسمع عنها ولا تهمه، وتجربتي معه يجب أن تكون كافية من أجل أن أعرف عدم الذهاب إليه مطلقاً. ما هذه الأمور؟ الترتيبات الأمنية؛ ثانياً السيطرة على التطورات السياسية في أوساط سكان المناطق، الخطوات الأمنية شملت من بين أمور أخرى حسب أقواله: فرض منع التجول، هدم بيوت وإبعادا.
من وجهة تظر المحتل، غازيت أحسن الدمج ما بين العصا والجزرة. سياسته كانت واضحة وقاطعة: «يجب منع سكان المناطق من المشاركة في تشكيل المستقبل السياسي للمناطق»، تعبيراً أساسياً عن ذلك كان المنع المطلق لكل تنظيم سياسي. إذا تم على سبيل المثال تنظيم إضراب من قبل السكان الفلسطينيين من قبل الحكم العسكري، كان الأخير يغلق بأمر منه عشرات الحوانيت «حتى اشعار آخر». هكذا تعلم السكان المحليون «على جلودهم» ما هي نتائج الإضراب. إذا قام أحد بإطلاق «شعارات وطنية متطرفة» ضد الحكم العسكري، تم العثور على وسائل للإضرار بأعماله وممتلكاته. «بذريعة البحث عن مخربين، كانوا يغلقون منطقة بيارات بالتحديد في موسم الري أو ذروة القطف، بذريعة أمن الجمهور، كانوا يغلقون صيدليات، بذريعة صحية - مطعم. من يعنيهم الأمر ومحيطه (أي عائلته وجيرانه) فهموا جيداً الإشارة، ولكن كانوا يقفون عاجزين وغير قادرين على الدفاع عن أنفسهم ضد خطوات الحكم العسكري.
في شهادته، أوضح غازيت أن «كل السياسة في المناطق لم تعمل حسب قواعد العدل المطلق، وقواعد القانون والقضاء المطلق» وفي مكان آخر اعترف بأنه يصعب وجود «سلطة احتلال مستمر، سوى إذا تم اتباع «خطوات قمع شديدة ومتطرفة». أحد هذه الخطوات كانت طرد نشطاء سياسيين وأمنيين من المناطق إلى الاردن. غازيت قام بذلك في الممارسة العملية وكان أحد مصممي هذه السياسة، وقال، انه في عمليات الإبعاد فإن ديان «كان أقل انشغالاً. مثال آخر لتدابير القمع «تلك»: في جلسة في مكتب ديان في بداية 1968، اتخذ قرار بفحص «إمكانية المس بالطبقة البيروقراطية الذكية»؛ بكلمات أخرى: منع إمكانية تبلور سياسة فلسطينية شاملة.
بعد سنوات من تسريحه من الجيش، صرح غازيت أكثر من مرة ضد مشروع الاستيطان. هو حقاً كان من معارضي الاستيطان في مدخل رفح، ولكن يبدو أن هذا الأمر مرتبط بصراع سياسي لديان مع شركائه في حزب العمل وليس بالتحديد كتعبير عن وجهة نظر ضد سرقة الأراضي وطرد الفلسطينيين أو البدو. غازيت أوضح المنطق بالمستوطنات: «نحن لم نبق الوضع مع كل الخيارات مفتوحة، بل خلقنا (على الأرض) أمورا غيرت الواقع بالاتجاهين».
غازيت كان من أوائل من مكنوا بخدعة «المستوطنات الأمنية». في أحد كتبه كتب أنه بعد الحرب اتضح أن القانون الدولي لا يسمح بمصادرة مناطق لصالح استيطان مدني (مستوطنات) بل فقط لأغراض امنية. لقد أكد على أنه في بداية الطريق كانت السياسة هي الامتناع عن وضع اليد على مناطق لأغراض مدنية واقتضى الأمر «الحرص على ان يكون هناك غطاء حقيقي للادعاء بأن الأمر يتعلق بوضع يد لغايات أمنية». كلمة «حقيقي» الواردة في الجملة الأخيرة أكد عليها غازيت في النص الذي أعد للجمهور. بالمقابل، في الرسالة التي أرسلها لرئيس الأركان يتسحق رابين في أيلول 1967 بشأن استيطان مدني في «غوش عتصيون»، تظهر قصة أخرى. غازيت أبلغ رئيس الأركان عن «تشبث الشباب المتدينين في (غوش عتصيون)»، والذي فقط لغاية (التغطية)، والمخصصة لغايات سياسية، تظهر «كبؤرة ناحل عسكرية». كما أوضح أن المستوطنين في المكان تلقوا تعليمات في حالة توجيه أسئلة إليهم. هذه الأقوال تتحدث عن نفسها.
حسب أقوال غازيت فإنه هو وديان أخرجا إلى حيز التنفيذ سياستهما في المناطق دون صعوبات حقيقية. فعلياً، حسب أقواله لم يكن هنالك حقاً خطوط حمراء، و»رئيس الاركان كان محيداً في هذا الامر». من حين لآخر كان ديان يلعب اللعبة ويقول: «أنا؟ هذا الأمر من هيئة الأركان العامة. كانت تلك براءة اختراعه المعتادة».
بصورة علنية، غازيت عزا وضع تثبيت السياسات على الأرض لديان، وقال، إن أساس سياسته كان «أن يكون لديهم ما يخسرونه» هذا هو منطق العصا والجزرة. من المشكوك فيه فيما إذا كان غازيت حقاً اقتبس وهو يقول الأمور التالية، والتي توضح منطق السيطرة على الرعايا الفلسطينيين: «سيعرف الفرد (الفلسطيني) أن لديه ما يخسره. يمكن تفجير بيته، وأن تأخذ منه رخصة الباص، وأن تطرده من المنطقة، وبالعكس هو يمكنه أن يعيش بكرامة، وأن يصنع مالاً ويستغل عرباً آخرين ويسافر في الباص» هكذا رأى ديان وغازيت السياسة الإسرائيلية في سنوات الاحتلال الأولى.
في أقواله التي لم تصل إلى الجمهور الواسع قال غازيت: ان وظيفته كمنسق نشاطات في المناطق منحته قوة كبيرة. هذه كانت «أكثر بكثير من رئيس حكومة مصغر» قال، وأضاف: «هذا رئيس حكومة مركزي جداً جداً». غازيت كان على حق عندما توج نفسه كرئيس حكومة للمناطق المحتلة. لهذا، إلى جانب مساهماته العديدة لأمن إسرائيل، يجدر أن نضيف إلى أن شلومو غازيت كان أيضاً مهندساً معمارياً للاحتلال.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق