«الصوفي والقصر: سيرة ممكنة للسيّد البدويّ» وممكنات الحاضر والمستقبل

24 أكتوبر 2020 - 06:54
تحسين يقين
صوت فتح الإخباري:

بلحن رئيس، يبذر الروائي العارف، ما يبصره العارف بالله من ماض يتذكره، ومستقبل يراه، هناك في مصر، كآخر رحلة مقام له، مروراً بالشام والعراق، حيث تشكل فصول الرواية مجالاً لنمو تلك البذور، كل في مكانها والزمان تقريباً هو هو، القرنان الخامس والسادس الهجريان والسابع أيضاً، وربما حتى الآن.
وبإهداء عام "إلى سيدي وحبيبي"، يجعلنا نروح ونجيء، غير محددين تماماً من هو السيد والحبيب؟ أهو الصوفي هنا، باعتبار الرواية أم المخلّص أم ربما الفكرة نفسها.. لعلنا نحن؟
دلالة العنوان دالة كبرى على مضمون الرواية، متبوعة بوصف الصوفي بـ"الممكنة"، التي تثيرنا (ربما) للممكنات الأدبية، باعتبار أن الخيال هو العمود الأدبي، كذلك لما قد يوحي لا بما كان ممكناً من تحقق الشيخ - المثقف العضوي الملتزم، من خلال السيد البدوي، بل بما يمكن أن يكون، أيتجلى ذلك بإنتاجات الكاتب نفسه، أو بأيّ أفكار للنخبة داخل الحكم وخارجه. فهل لأجل ذلك كتب على الغلاف: "لا أحد يكتفي أو يقنع بالتاريخ كما وقع على وجه الحقيقة، الواقع ذاته لا يكفي؟".
لم يجعل الروائي شيخه هنا (الصوفي السيد البدويّ) خارقاً، بل حتى الكرامات الواردة، فقد قام بروايتها بشكل محايد، بميل نحو التفسير الاجتماعي والسيكولوجي لا الغيبي. بل هو إنسان عاديّ، في علمه وتدينه بل وعمله، يمتلك قيم الرحمة والتسامح، لم يصرفه تصوفه عن رؤية الأمور بعمق إنساني، ونفسي، كأنه أقرب لما يسمى اليوم "شخصيات التداوي بالطاقة وطرق التنمية". كأننا إزاء رسم صورة لما يمكن أن يكون عليه المخلّص - النخبة، اليوم وغداً كما قلنا.
بل رجل عادي يحن لعالم النساء، حتى ولو لم يتزوج، فقد نثر الروائي في عدة مواطن متباعدة من الرواية ذكراً يوحي بشوقه لعالم النساء رومانسياً، فهذه الشامية في بداية الرواية، في الرحلة من فاس إلى مكة، تظل تطل 101 في بغداد، وكذلك في رحلته الأخيرة ص 250. كذلك شوقه المادي، "تعرض نفسه لإغواء لم يعلمه إلا الله.. فكر مرة بالزواج أو حتى بالتسري، لكنه كان يعرف أنه لم يخلق لذلك "أنا مسافر" ص 137. ورومانسياً ومادياً في: "تمنى لو أن الأميرة فاطمة تشاطره إحساسه بالمكان الباذخ" ص 211. بل تراه حساساً جداً لعالم الجسد: "غنج فرس ما تثير حصاناً قريباً" ص 44.
فلا هو قادم فقط من النخبة السياسية، ولا الدينية فقط، بل لربما، هناك مجال لإحداث تصالحية ما في النخب، لا تستعدي الدين، وفي الوقت نفسه تؤمن بالطرق السياسية للوصول للحكم وحل النزاعات والمشاكل الدولية وتلك التي تتعلق بالعدالة داخل المجتمع الواحد. (مثال ذلك حل مشكلة الجند شبه المتمردين من خلال العظة وضمان صرف أعطياتهم). وكأن الكاتب يوحي للقوى العلمانية مثلاً، بعدم استعداء الآخرين، بل توظيف الديني - الميثولوجي، لغايات وطنية وقومية في الخلاص والتحرر وبناء مجتمع العدالة، والأهم توظيف ذلك كله في خدمة هدف التحرر السياسي والاستقلال، وأن هناك مجالاً للتلاقي لا التناقض بين رجال الدين والدنيا، كما اجتمعا معاً في شخصية البدوي. بل إن تتبع الماضي والحاضر يدل على أن المؤسسات الدينية غير الرسمية، كانت مجالاً لنهوض ثوري ضد الغزاة قديماً والاستعمار حديثاً، الطريقة الصوفية قديماً، والأزهر حديثاً، حينما صعد إلى منبره الزعيم ناصر في العدوان الثلاثي.
يتحرك الروائي المحترف في دوائر فضاءات النفس بما فيها من صراعات: "الشيخ أحمد: "أنت تقاتل الملوك، أما أنا فأقاتل نفسي". ص 222 و"يعيش داخل ذاته أكثر مما يعيش خارجه". ص 234، لدرجة رؤيته لنفسيته كما هي: "أما الشيخ أحمد فقد كان يغبط مضيفه الذي يكبره بعشر سنوات، ولكن الملوك تتحدث بشأنه، يا للنفس الأمارة بالسوء والحسد والمقارنات التي تدفع إلى الجفاء". ص 223
كما يتحرك في الحياة الاجتماعية وما فيها (زواج أخته فاطمة من نور الدين)، والسياسية بما فيها من نزاعات والدولية بما فيها من تحالفات، تلك الدوائر المتداخلة معاً، في ظل منظومات حكمتها وما زالت، في سياق فكرة الخلاص العام من خلال خلاص النخبة نفسها من نفسها.
قد يتساءل القارئ، محكوماً بنظرية الإسقاط الرمزي - التاريخي: هل كتب الكاتب عن أمس، ليوحي بتأمل ما يحدث اليوم؟ ومعه بالطبع حق، فلا يمكن فصل الزمنين بجامع الظروف والأحوال. وقد يرى إنما يكتب الكاتب أصلاً عن اليوم، بلغة سابقة.
هناك قياس للحاضر على الماضي، والعكس صحيح، بمعنى أن هناك فرصة لنا لنرى زمننا، باعتبار أن العمل الأدبي، هو من أجل الآن وغدٍ، فلا هو رثاء ولا مدح أو هجاء، ولنا ونحن نرى أنفسنا، من خلال تموضعنا في الزمان والمكان والأحداث، فتكون فعلاً فرصة لتأمل ما كان، بالاستعانة بالتاريخ والخيال.
بالمجمل، نحن هنا في محاولة فهم مزدوجة، فهم الحاضر من خلال الماضي، وفهم الماضي من خلال الحاضر، وصولاً لتحرير المستقبل منهما.
أي أننا نعود مرة أخرى للخلاص العام، من خلال أدواته، ومن خلال ما يمكن أن نحلم به من وجود نخب حررت نفسها أولاً من ثنائية المغانم والعقوبات، من خلال تأمل البدوي، كداعية، جمع في شخصيته الداعية المستقل والمجاهد، بهدف دحر الغزاة، والذي شهد ذلك في جزء من حياته.
وهو (من خلال الممكن) و(المأمول) داعية وقف على مسافة واحدة من رفض الغازي ومن يرتبط به، مستخدماً الكلمة، عبر المؤسستين الدينية والتربوية غير الرسميتين، كونهما قد تكيفتا مع ما هو سائد من اقتتال وتنازع داخلي وتبعية للغازي، في ظل امتلاك رؤية أن الخلاص ممكن إن أردنا.
وهو من خلال تشخيصه الدقيق للحال، من الداخل، للمراكز التاريخية التي تجول بها السيد البدوي (والروائي)، من منظوره كرجل صوفيّ، مركزاً على سلوك البشر وعاداتهم وأخلاقهم ونزاعاتهم السياسية والمذهبية والطائفية والقومية داخل كل إقليم على حدة، وبين ما هو مختلف بين الأقاليم نفسها، بحثاً عن الخلاص الفردي وحماية المصالح الذاتية، وعلى رأسها جميعاً: الحكم. الحكم الذي استخدم معه شخصياً سياسة الترهيب والترغيب، فنفرا من بعضهما بعضاً، فصارا تقريباً على طرفي حال، من الانفصام والانفصال. فكانت رحلته الواقعية (والمفترضة)، هي للخلاص الفردي من إغراءات الحكام، وبحث عن دور ما للخلاص العام. وقد ظهر ذلك له كنصيحة من خلال حلم يقظة، "يقول لك الشيخ ألا تمالئ الأمير أو تسانده أو تؤيده" صفحة 31.
ولعل الرواية، وهي إذ تمنح الأمل بجميع أنواع الخلاص نفسياً وجمعياً، فإنها تثير تأملنا لقراءة ظروف الماضي الصعبة، وكيف تجاوزتها الأمة، ومن فيها من قادة علم وسياسة، وكأن الكاتب د. أحمد رفيق عوض قد أصبح هنا مبشراً بجيل الخلاص، وإن تميّز هو هنا بالخلاص الطبيعي (العلماني) الذي يستلهم التراث والدين والميثولوجيا. فهو لا يرى أن رجل الدين فقط، ولا الإسلام السياسي، قادران على خلق جيل التحرير، بل لا بد من فهم دقيق وأمين للعصر وأدواته الفاعلة من علم ومعرفة وإيمان بالعدالة الاجتماعية، وهو ما رمز له الكاتب وبذره خلال فصول رحلة السيد البدوي من المغرب إلى المشرق، ورحلاته في المشرق العربي نفسه، بل ورحلته العظيمة في نفسه أولاً.
فلسفة التاريخ وفهمه موضوعياً تعيدنا إلى زمن الأيوبيين والمماليك، متوجاً بالمخلص العسكري صلاح الدين وقطز وبيبرس وآخرين، الذين استندوا لا على العلماء الرسميين الموظفين، بل على المستقلين غير المتطرفين، فقد كان وجود أقطاب الصوفيين عامل قوة للسياسي والعسكري (المجاهد والمحرر)، بل منهم من تحرر على أيديهم (إشارة تتلمذ بيبرس في الرواية على الشيخ البدوي)، وكلنا نتذكر كيف وظف صلاح الدين المواسم الدينية في زيادة مناعة المجتمع الشامي والمصري، لصد الحملات الأوروبية، بل والشمال أفريقي فيما بعد مع قادة آخرين ممثلاً بالزوايا، التي كانت مدخلاً للنضال ضد الاستعمار الفرنسي.
ولعل رحلاته في المشرق العربي نفسه، توحي بشيء ما، عن أسباب تسريع خلاص القدس وفلسطين بالذات، إذ كأنه يميل إلى الفكرة التاريخية (شبه الموضوعية) بأن وحدة الشام ومصر تعني الكثير لحسم الصراع هنا، فإن ضمت الوحدة العراق فهذا خير.
هو اجتهاد الروائي - المفكر (الذي ما انفك مصدوماً بتسليم القدس دون حرب 3 مرات في التاريخ) من أجل خلاص بعض الأقاليم من غزو الفرنجة، بتوظيف ما هو موجود وممكن بل وروحاني جميل، في معاركنا الفكرية والسياسية من ناحية، ومعركتنا مع الغزاة من ناحية أخرى، لا تناقض ولا انفصال بينهما.
وقد بدأ اهتمام الكاتب بموضوعه، (النخبة والدور والخلاص) في روايته "العذراء والقرية" والتي تكرر فيها ذكر "الملك الكامل الذي سلم القدس لتنجو مصر)، في "عكا والملوك، و"القرمطي"، وهو هنا جعل في "الصوفي والقصر" أمر (التشظي والتبعية وقبول التسويات بما فيها من غبن واحتلال) فضاء عاماً لها، أي أنه استغرق بفكرته من خلال الأحداث إلى المدى الممكن. وقد مال إلى النقد المجتمعي ونقد الحكم في رواية "مقامات العشاق والتجار". بمعنى أن الكاتب أصيل ولديه جلد روائي وفكري في موضوعه، للتبشير بالخلاص عبر إيراد ظروف واستحقاقات وشروط ذلك.
وقد جعل الروائي، لكل رحلة شخصياتها الاجتماعية والسياسية، بحيث رأينا تعددية تلك المجتمعات في مكة والكرك والقدس ودمشق وبغداد ومصر. كذلك، جعل الكرامات عامل تشويق في النص، كذلك رؤيته لشيوخه، بحيث كانت روافع للنص الذي اتكأ على السياق التاريخي، والشخصي لشيخ له هموم واهتمامات محددة. إن تنقل الشيخ، جعل الكاتب يلحقه للمدن والمراكز، بحيث لم يكن هناك خيط درامي إلا للشيخ بالاستناد للأمكنة المتنوعة، ولم يكن هناك خط للتطور الدرامي للمجموع سوى موضوع الخلاص الجمعي. كما أن الحديث عن الملل والنحل والمذاهب، جعل الرواية تنحو فلسفياً اقتراباً من الوجودية، بل كأنه أوحى إلى أن هناك دوماً مجالاً لمعرفة الله الخالق وعبادته كل بطريقته بحيث لم نجده مخطئاً لا مذهباً ولا طائفة، حتى الطائفة اليزيدية، في ميل لقبول الآخر، كما يقتضي المجتمع الثقافي الديني التعددي أن يكون.
----------------
* صدرت الرواية عام 2017 عن دار الشروق للنّشر والتّوزيع في عمّان ورام الله. وتقع في 304 صفحات من الحجم المتوسّط.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق