"هآرتس"صفحات «الشاباك» بالعربية على «الفيسبوك»: عبِّروا عن إعجابكم بالاحتلال ! (1)

06 أغسطس 2020 - 07:52
صوت فتح الإخباري:

بقلم: هليل كوهين*
في صيف 2016 فتح "الشاباك" الإسرائيلي صفحة على الفيسبوك تحت عنوان "بدنا نعيش". هذا اسم ملتبس للغاية. ففي اللغة العامية الفلسطينية يستخدم هذا التعبير سكان "المناطق" المحتلة الذين تعبوا من الصراع مع إسرائيل، ويركزون على تأمين الطعام لأولادهم. وهذه طبعاً رسالة أساسية لصفحة "الشاباك" على الفيسبوك :"الأفضل لكم أيها الفلسطينيون العمل على تحسين مستوى حياتكم من الاهتمام بالسياسة". بعد مرور عامين، انضم إلى النشاط على الفيسبوك أيضاً ضباط ميدانيون من "الشاباك" - عدد من النقباء [الكابتن] مسؤولون عن قطاع غزة في الجنوب وحتى منطقة جنين في الشمال، وفتحوا صفحات شخصية خاصة بهم، وفي الأشهر الأخيرة بدأ "الشاباك" نشاطاً علنياً وصريحاً على شبكات التواصل الاجتماعي. ونشر نحو 30 منسقاً في "الشاباك" مئات التعليقات [البوستات] على الفيسبوك، وحظيت بآلاف المتابعين الفلسطينيين وآلاف الردود.
على الصعيد العملاني، هدف صفحات الفيسبوك هذه لجم المقاومة الفلسطينية العنيفة، ولكن بالإضافة إلى هذا الهدف، هناك أيضاً هدف أكثر أهمية: تغيير الوعي الفلسطيني فيما يتعلق بالواقع في الضفة الغربية، وإسرائيل عموماً، وقبل كل شيء منح شرعية للحكم العسكري، وتطبيع المستوطنات في "المناطق". أسلوب العمل هو: خلق عالم وهمي في الفيسبوك، لا يوجد فيه احتلال، يعيش فيه الفلسطينيون والإسرائيليون بسلام ومساواة في الضفة الغربية، وفيه يعمل "الشاباك" من أجل اليهود والعرب على حد سواء. في هذا الواقع الافتراضي، يجري تصوير مقاومة الحكم العسكري الإسرائيلي كمقاومة للسلام والتقدم الذي تجلبه إسرائيل، وتؤذي كل من يشارك فيها.
هذه الخطوات تسمى في اللغة المهنية "عمليات وعي" (الجيش الإسرائيلي أيضاً أقام مركزاً لعمليات وعي)، يشارك في بلورتها علماء نفسيون، وخبراء في التسويق، ومستشرقون وعناصر من الاستخبارات. السمة الخاصة للصفحات التي يستخدمها منسقو "الشاباك" هي المعرفة الوثيقة بالواقع الذي يعملون فيه. لذلك، هم يقدمون أنفسهم كمقربين من الجماعات التي يراقبونها، ونبرة كتاباتهم هي كنبرة أخ راشد: توجه ودي، لكن صارم في أساسه شعور بالتفوق. ضباط "الشاباك" - الذين يسيطرون على مصير سكان "المناطق" - يثقفون ويعلمون ويعرضون وقائع، ويشرحونها ويحذرون من ارتكاب حماقات، أحياناً يهددون وأحياناً يطمئنون ويذكّرون بأن مصلحة الجميع هي نصب أعينهم، ويعبّرون عن استخفاف بالفلسطينيين الذين يشاركون في النضال المسلح.
فيما يلي نموذج حديث: في حزيران الماضي قتل طاقم حرس الحدود على حاجز الكونتينر في القدس الشرقية أحمد مصطفى عريقات، فلسطيني في الـ27 من عمره من أبو ديس، لأنه قاد سيارته بسرعة في اتجاه جنود إسرائيليين. اختلفت مصادر إسرائيلية وفلسطينية في أن ما جرى هو محاولة دهس. مال الفلسطينيون إلى استبعاد احتمال أن ما جرى كان عملية مقصودة من عريقات ضد جنود الجيش الإسرائيلي، لأنه كان في طريقه لجلب والدته إلى عرس أخته. مصادر أمنية إسرائيلية زعمت أن ما جرى محاولة دهس واضحة. انضم إلى النقاش العاصف عنصر من "الشاباك" مسؤول عن أبو ديس ومحيطها اسمه الكابتن فادي. في صفحته الشخصية على الفيسبوك كتب: "هذه ليست عملية بطولية/ وليست عملية تضحية بالنفس من أجل الله/ هذه في النهاية عملية انتحار/ في يوم زفاف أخته/ انتحر أحمد عريقات". من السهل فهم الغرض من هذا الادعاء: اعتبار عريقات شهيداً يمكن أن يؤدي إلى احتجاج عنيف، وربما أيضاً إلى موجة عمليات دهس. ولقد أرفق الكابتن فادي تعليقه بشريط فيديو صوّره عريقات نفسه وهو يعتذر من أبناء عائلته.
أثار نشر الفيديو على صفحته على الفيسبوك عشرات الردود العنيفة من جانب الفلسطينيين. أغلبيتهم قالت إنها تعتبر عريقات شهيداً من أجل الوطن بعكس كلام منسق "الشاباك"، وسخرت من محاولة إسرائيلي تقرير مَن هو الشهيد. هناك مَن ذكّروا بأن عريقات تُرك ينزف من دون أن يتلقى علاجاً حتى فارق الحياة؛ وكان هناك مَن هاجم الكابتن فادي، لأنه أخذ الهاتف الخليوي من جثة عريقات واستخدمه من أجل الدعاية.
هذا جانب مهم جداً من نشاط "الشاباك" على الفيسبوك. فهو يسمح للفلسطينيين بالرد على مزاعم الكابتن في "الشاباك"، الأمر الصعب جداً في منشآت الاستجواب، أو في المكاتب، أو في قواعد عسكرية في المناطق. لكن كي نفهم الظاهرة بصورة أفضل، يجب البدء بالطريقة التي يقدم فيها ضباط "الشاباك" أنفسهم على صفحات الفيسبوك.

صورة وصورة مضادة
الصور الخلفية التي ينشرها منسقو "الشاباك" على صفحاتهم مفاجئة جداً. كثيرون منهم ينشرون صورة تعاون فلسطيني - إسرائيلي متساو. يد ملونة بألوان العلم الفلسطيني تصافح يداً ملونة بألوان العلم الإسرائيلي؛ إسرائيلي وفلسطيني يقفان بالقرب من بعضهما؛ علم إسرائيل يعانق علم فلسطين.
إلى هذه الصور الافتراضية لأخوة وتعاون يُضاف نص بهذه الروحية. على الرغم من الانفصال عن الواقع - "الشاباك" لا يؤمن فعلاً بالمساوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في "المناطق" - هذه الصور ليست مجرد خدعة دعائية فقط. مصدرها هو الادعاء الصهيوني الذي تعود جذوره إلى قول هرتسل: وجهتنا هي السلام، ووجودنا هنا سيحمل النعمة إلى العرب؛ ومقاومة الصهيونية هي مقاومة للأخلاق والتقدم. يوجد إسرائيليون يؤمنون بذلك.
إلى جانب هذه الصور، تظهر تفصيلات للاتصال بالمنسقين - بوساطة الماسينجر على الفيسبوك وأرقام الهاتف الشخصية من أجل نقل معلومات، وأيضاً لإعطاء الانطباع بوجود أذن صاغية واهتمام. بعض المنسقين يكتفي بالإشارة إلى طرق الاتصال، والبعض الآخر يضيف بعض العبارات التي تشجع سكان المنطقة على التوجه إليهم في أي مشكلة أو موضوع.
الرسالة "نحن هنا كي نساعد" لا يجري التعبير عنها فقط في صور الخلفية، بل في جزء كبير من التعليقات. تفشي "كورونا" في ربيع 2020 منح منسقي "الشاباك" فرصة إضافية لتقديم أنفسهم كعاملين من أجل الجميع، ووصفوا الواقع في سنة 2020 كأيام صراع إسرائيلي - عربي ضد عدو مشترك. بالإضافة إلى المنشورات العامة بشأن وسائل الوقاية من المرض، شدد عدد كبير من المنسقين على حقيقة أن الوباء يصيب الناس من دون تمييز في الدين والجنس والقومية، وأن العالم العربي وإسرائيل يتكاتفان في جهودهما دفاعاً عن صحة كل سكان الشرق الأوسط.

أي تعايش؟
من الصعب تقدير مدى فعالية خطوة تقديم "الشاباك" كهيئة إيجابية تعمل من أجل الفلسطينيين. صور التعايش والمصالحة والأخوة ليست هي الصور المباشرة التي تظهر في الوعي الفلسطيني عندما يتعلق الأمر بـ"الشاباك". هناك مَن يتذكرون منشآت التحقيق التابعة لـ "الشاباك" وأساليب الضغط الجسدية التي مورست عليهم، وآخرون يتذكرون الاعتقالات وتفتيش منازلهم، أو محاولات تجنيدهم كعملاء بوساطة الضغط والإغراء. هذا على ما يبدو السبب وراء الانتشار النسبي لردود هجومية وساخرة من جانب الفلسطينيين في هذه الصفحات.
وبسبب التدخل العميق لأطراف استخباراتية ومن السلطة في شبكات التواصل الاجتماعي، من الصعب في أحيان كثيرة معرفة المصدر الحقيقي للردود. جهات أمنية كثيراً ما تستخدم روبوتات من المفروض أن ترد أو تعبّر عن إعجابها [like] بصورة مكثفة، من خلال استخدام أسماء مختلفة لزيادة انتشار الصفحة. من الصعب فحص مدى موثوقية البروفايل [المعلومات الشخصية] والتعامل مع الردود من خلال انتشارها والحديث الذي تولده. وكذلك كيف يرد فلسطينيون (حقيقيون أو وهميون) على تصريحات الأخوة والأمان لمنسقي "الشاباك"؟
رد أساسي هو مد اليد للسلام. على سبيل المثال، ردت إحدى المشتركات على تعليق الكابتن أمين، منسق المدينة القديمة في القدس، بالقول: "الإسلام أيضاً هو مع السلام". شخص آخر كتب: "هذا هو المطلوب". الكابتن إيلي المسؤول عن عمل "الشاباك" في العيسوية نشر صورة تصالحية في 22 آذار 2020، في ذروة موجة اعتقالات عبثية لقاصرين في البلدة. أحد الردود "نعم للسلام والحياة والمساواة". أجاب آخر "سلام أيها الصديق". وأجاب ثالث: "أهلاً وسهلاً".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق