«هآرتس»"حزب الله" في معضلة: الردّ أم ضبط النفس؟

30 يونيو 2020 - 07:40
صوت فتح الإخباري:

بقلم: تسفي برئيل
مرّ أسبوع كامل على الهجوم المنسوب إلى إسرائيل في دمشق، الذي قُتل فيه ناشط من «حزب الله»، والمواجهة القصيرة التي حدثت قبل أيام على الحدود الشمالية بين الجيش الإسرائيلي والحزب. خلال تلك الأيام استعدت إسرائيل لمواجهة أي سيناريو، لكنها لم تعرف ما هو السيناريو الذي سيختار حسن نصر الله تنفيذه. الآن أيضاً لا تزال إسرائيل بحاجة إلى أن تتنبأ إذا كان نصر الله أنجز انتقامه، أو أن عليها أن تنتظر هجوماً ثانياً.
التقديرات بشأن رد الحزب المنتظر اعتمدت على تجربة الماضي، وفي الأساس على إدراك أن الحزب هو تنظيم عقلاني. أي تنظيم سياسي وليس عسكرياً فقط، وهو مقيد بشبكة معقدة من أزمات سياسية واقتصادية، ومكانته في لبنان لا تستند فقط إلى قدرته على تحريك إسرائيل ضد أهداف مدنية في لبنان، وبذلك تهديد استقرار النظام الذي هو شريك فيه. هو حزب يتعين عليه، مثل حكومة إسرائيل، أن يأخذ في الاعتبار ردة فعل الجمهور اللبناني، الذي يعتبره أحد المتهمين الأساسيين في الانهيار الاقتصادي للدولة.
بوصفه يمسك بملفات مركزية في الحكومة، ومن بينها ملف الصحة المسؤول عن معالجة وباء «كورونا»، ويؤيد «حزب الله» طلب الحكومة الحصول على مساعدة غربية - قرض من صندوق النقد الدولي وتبرعات من دول أوروبية تعهدت قبل نحو عامين بتحويل نحو 11 مليار دولار إلى لبنان. وبحسب التقديرات تنظيم كهذا لا يستطيع المخاطرة بحرب أو بردّ يؤدي إلى حرب.
عقلانية «حزب الله» تفرض عليه أن يقيم في مواجهة إسرائيل ليس فقط توازن ردع عسكرياً، بل أيضاَ توازن احتواء. يرسم نصر الله بين الاثنين خطاً واضحاً وحاداً يميز بينهما. تحليق سلاح الجو الإسرائيلي أصبح ظاهرة احتواها الحزب ولا تحظى برد منه. أيضاً هجمات إسرائيلية في أراضي سورية، حتى إذا كانت موجهة ضد شحنات سلاح لـ «حزب الله» أو مخازن وعتاد عسكري يملكه الحزب في سورية. المخاوف من أن يتحرك «حزب الله» ضد إسرائيل كوكيل عن إيران ويرد بدلاً منها على الهجمات المنسوبة إلى إسرائيل لم تتحقق.
في كل ما يتعلق بالردع، يتصرف «حزب الله» كتنظيم يدير حساباً خاصاً في مواجهة إسرائيل وليس كوكيل لدولة معادية. هذا ما حدث عندما نفذ عملية خطف الجنود في صيف 2006، التي أدت إلى حرب لبنان الثانية، والتي كان الهدف الأساسي لها تصفية الحساب مع إسرائيل على خطف ناشطين من «حزب الله» واعتقال سمير القنطار. قبل أشهر من ذلك، أوضح نصر الله لرئيس الحكومة اللبنانية آنذاك، فؤاد السنيورة، أن هذه الحسابات هي بين حزبه وبين إسرائيل ولا علاقة لها بحكومة لبنان. نصر الله كان على خطأ، وكما اعترف بعد مرور وقت طويل على حرب لبنان أنه لو علم ما ستكون عليه نتائج عملية الخطف لما نفذها.
ليس من الضروري قبول كلامه حرفياً، لكن منذ ذلك الحين يدير الحزب عملياته ضد إسرائيل على أساس عقيدة مفادها أن الردع يجب أن يكون مقروناً بشيء من الاحتواء، الذي من دونه يمكن أن يجد نفسه في حرب دائمة ضد إسرائيل من دون نقاط للخروج منها - وتدمير أساس قوته السياسية في لبنان. تشغيل الرد التلقائي الإسرائيلي في كل مرة أراد فيها نصر الله إظهار سيطرته على مستقبل لبنان بدأ يعمل ضده. وهو يهدد بالخطر مشروع نشر الصواريخ الذي تحول إلى مخزون إستراتيجي، وجزء لا يتجزأ من ميزان الردع، لكن كل هذا محمي بوساطة سياسة الاحتواء للحزب. هذه السياسة هي التي منعت حتى الآن توجيه ضربة إسرائيلية ضد قواعد صواريخ «حزب الله» في لبنان، على الرغم من كونها تشكل تهديداً أكبر على إسرائيل من خطر مخازن الصواريخ في سورية التي تقصفها إسرائيل بحرية.
«إسرائيل مصرة أكثر من أي يوم على منع المس بسيادتها أو جنودها، وبالتأكيد بمواطنيها»، صرّح بحزم وزير الدفاع بني غانتس في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أول من أمس. «لبنان وسورية دولتان سياديتان وهما تتحملان مسؤولية أي عملية تحدث انطلاقاً من أراضيهما». من اللافت أنه لم يحذر «حزب الله»، بل تطرق إلى سورية ولبنان كدولتين سياديتين. تتعامل إسرائيل مع هذه السيادة بصورة انتقائية. في سورية حيث روسيا هي الحاكم الفعلي وإيران هي المساعدة الثانوية، تتعامل معها إسرائيل كأنها غزة، تدخل وتخرج من دون انتظار إذن، وتخرق بصورة فاضحة السيادة. في الوقت عينه هي تحاذر من مهاجمة أهداف تابعة للنظام السوري، خوفاً من أن تخسر إذن العمل الذي أعطته لها روسيا.
بالنسبة إلى لبنان الذي سيادته مرتبطة بضبط النفس، تتعامل معه إسرائيل برهبة بسبب ميزان الردع في مواجهة «حزب الله»، وأيضاً بسبب التزامها بسياسة الاحتواء. هكذا يتصرف أعداء عقلانيون.
يبدو ميزان الاحتواء أقل ردعاً أو عنفاً من ميزان الردع. فهو يمتاز بضبط النفس، والصبر، والقدرة على الاستيعاب وهو على ما يبدو غير مناسب لدولة تريد أن تلقي الرعب في قلوب التنظيمات ودول المنطقة.
بيد أن هذه أيضاً السياسة التي تستخدمها إسرائيل حيال «حماس». على ما يبدو هي تهاجم في غزة في كل مرة يطلق فيها صاروخ تجاه إسرائيل، لكن عملياً قررت في كثير من الحالات استيعاب النار وعدم الرد، عندما كان الاحتواء يخدم مصلحتها السياسية أو العسكرية. لقد تعايشت مع سيطرة «حماس» على القطاع، وحولتها إلى شريك غير مباشر في مساعي ترسيخ «تهدئة»، وتسمح بتحويل أموال بالملايين إلى قيادة «حماس»، والكلام عن القضاء على «حماس» لم يعد يُسمع منذ زمن طويل. هذه السياسة ليست مرفوضة بل ضرورية سواء في مواجهة «حماس» أو في مواجهة «حزب الله»، إذا كانت إسرائيل تتطلع إلى منع وقوع الحرب.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق