عباس أمام إملاءات الطاولة المنحازة..

02 يونيو 2020 - 12:00
صوت فتح الإخباري:

بقلم: يهودا شاؤول - هآرتس

 

 قام الرئيس الفلسطيني بطيّ الصحيفة وتنهد ووضعها جانباً، لقد فكر كثيراً، والآن أنهى قراءة عمود عاموس هرئيل (هآرتس، 26/6)، الذي طلب منه رفع السماعة لرؤساء البيت الأبيض والتناقش معهم حول تفاصيل الخطة التي طبخوها. ثم تذكر أن ألوف بن، محرر الصحيفة التي يحرص على قراءتها كل صباح، أوصاه باتباع تكتيك مشابه. كان هذا أمراً صعباً، مر مثل اللعنة، لكنه عرف في نهاية المطاف أن ليس من مناص. حمل عباس الجهاز المشفر وضغط على زر الاتصال السريع، وبعد رنتين أجابه صوت لطيف قائلاً: "مجلس "يشع"، مرحباً، كيف يمكن مساعدتك؟".

 

 هرئيل مثل ألوف بن، توسل لعباس كي يحل لنا عقدة الضم. وتوجههما إليه يقوم على افتراضين: الأول، أن استعداد الفلسطينيين لإحياء المحادثات مع الإدارة الأمريكية سيرجح الكفة، ويؤدي على الأقل إلى تأخير دعمها لخطوة تشكل العمود الرئيسي في خطتها. والثاني يفترض أن رفض الفلسطينيين يتعلق بالكرامة. عباس "يتمترس خلف إهانته ويرفض التنازل عن كرامته"، قال هرئيل؛ ووقف المحادثات ينبع من الخوف من "إهانة وطنية فظيعة"، كتب ألوف بن.

 

 أنا غير معني بالمس بكرامة المراسلين المحترمين، لكن يبدو لي أن تفسيرهما يتجاهل لب الموضوع. والأخطر من ذلك جوهر الخطة التي طبختها الإدارة الأمريكية.

 

 إن الطابع الشرير للخطة لا ينبع من مسألة الضم، بهذا الحجم أو ذاك، بل لأنها منبر للانتقال من نموذج حل الدولتين الذي يقوم على قرارات الأمم المتحدة والإجماع الدولي الواسع إلى تطبيق لا عودة عنه لحلم سيطرة إسرائيل على جميع الفضاء الذي يقع بين النهر والبحر، وتثبيت مكانة الفلسطينيين كرعايا ليس لهم حقوق.

 

 الخطوة الرئيسية لصائغي الخطة، الذين يدفعون بها قدماً، هي اختطاف عنوان حل الدولتين وإفراغه من المضمون وتنفيذ نقيضه. "الدولة الفلسطينية" التي يدعون إليها ستكون تجمع مناطق معدومة التواصل والسيطرة على دخول الأشخاص والبضائع وعلى المجال الجوي والحقول الإلكترومغناطيسية، وستكون خاضعة لسيطرة أمنية إسرائيلية كاملة. هكذا، في غطاء الدولتين، تريد الخطة تجنيد الدعم الدولي كي تثبت جزر كانتونات فلسطينية محاطة ببحر من السيطرة الإسرائيلية الدائمة. لذلك، فإن المفاوضات التي سترتكز عليها لا يمكن أن تدفع قدماً باتفاق سلام مأمول، بل وسيكون لتأثيرها أضرار بالضرورة ستساهم في تخليد الاحتلال. وفي الوقت الذي ستحصل فيه السلطة الفلسطينية على كانتونات تسمى "دولة"، وفق الخطة، بشرط تلبية شروط غير ممكنة مثل سيطرة كاملة على قطاع غزة ونزع سلاح حماس ووقف كل ما تعتبره إسرائيل تحريضاً… فإن أسرائيل مسموح لها -حسب الخطة- أن تضم نحو 30 في المئة من الضفة، خلافاً للقانون الدولي والمعايير الأساسية.

 

 احتمالية موافقة الإدارة الأمريكية الحالية على إجراء مفاوضات ليس على أساس خطوط الخطة التي عملت عليها في السنوات الأخيرة، والتمسك بالخطوط الأساسية القائمة على القانون الدولي أو المخطط المتماهي مع إدارة كلينتون… تشبه احتمالية يساعد ترامب على ازدهار إصلاحات "أوباما – كير". وتوقه إلى ترك أرض محروقة في الحقل الذي حرثه سلفه، والتصميم الأيديولوجي لمقربيه. إن أي مكالمة هاتفية من عباس لن تقضي على هذا التوقف.

 

 ورغم ذلك، تدرك القيادة الفلسطينية بأن رفض الجلوس على طاولة مفاوضات منحازة جداً، يشكل العائق الوحيد أمام استسلام اللاعبين الآخرين لنزوات الرئيس الحالي. ودخول الفلسطينيين ودول أوروبية ودول عربية إلى عملية ترتكز على خطة ترامب ستحدد موقفها كعملية ذات صلة. وبهذا ستحولها إلى أرضية سترتكز عليها المحادثات المستقبلية. وفي المقابل، رفض الخضوع للإملاءات السياسية الجديدة سيمكن الإدارة القادمة من العودة وبلورة رؤيتها حسب المبادئ المقبولة عليهم.

 

افتراض آخر خفي يقف في أساس تحليلات ألوف بن وهرئيل، وهو أن ضماً جزئياً هو الإمكانية الأسوأ التي تقف على الأجندة. لذلك، فإن استبدال النظام القائم في الضفة بسلطة أبرتهايد بصورة قانونية يعد تطوراً فظيعاً، سواء بسبب جانبه الإعلاني أو بسبب تداعياته الفعلية. حينئذ، علينا النضال بجميع السبل ضد ذلك. ولكن استبدال ضم أحادي الجانب الآن بضم بعد ذلك، الذي سيرافقه إلى جانب الموافقة الأمريكية أيضاً الإضرار بفرصة البديل – هو خيار أكثر سوءاً؛ لأنه يسرق من الفلسطينيين ومنا إمكانية الاحتجاج مستقبلاً على الوضع القائم والعودة إلى الخطوط الأساسية التي تقوم على قرارات الأمم المتحدة.

 

 ومن يؤمن بوجوب إنهاء الاحتلال الآن، فعليه الاعتراف بأن هناك فترات لا يكون فيها خيار عدا عن لعبة القبو. وبدلاً من انتقاد رفض الفلسطينيين والخضوع لإملاء أمريكي من إنتاج مجلس "يشع"، يجب علينا دعمه وفي الوقت نفسه تعزيز التفاهمات مع الشركاء التقليديين لحل الدولتين. يجب القيام بذلك ليس من خلال السعي لحل الدولة الواحدة مثلما رمز ألوف بن، بل من خلال الالتزام العميق بالواقع الذي سيمكن من وجود مساواة في الحقوق لكل إنسان يعيش في هذا الفضاء. وهذا وضع لا يمكن الوصول إليه إلا بدولتين مستقلتين وآمنتين جنباً إلى جنب.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق