الفوضى الخلاقة في امريكا

03 يوليو 2020 - 16:26
د. أسامه الفرا
صوت فتح الإخباري:

لم تكن الجريمة التي اقترفتها الشرطية التونسية فادية حمدي بحق محمد البوعزيزي في مدينة سيدي بوزيد التونسية، والتي تسببت بالإطاحة بالنظام التونسي قبل أن تنتقل شرارتها إلى العديد من العواصم العربية، بذات حجم الجريمة التي ارتكبها ضابط الشرطة الأمريكي "ديريك تشوفين" بحق مواطنه من الأصول الأفريقية "جورج فلويد" في مدينة مينيابوليس بولاية منيوستا الأمريكية، إلا أنها كانت كافية لتخرج الجماهير العربية مطالبة بالحرية والعدالة والكرامة، ولم تتأخر يومها أمريكا في تأجيج الحراك العربي ودفعه لمسار الفوضى الخلاقة التي إبتدعها المؤرخ الأمريكي تاير ماهان بداية القرن الماضي وتبنتها بعد ذلك كونداليزا رايس وعملت على تطبيقها، كانت مهمة أمريكا أن تجعل من الربيع العربي خريفاً يحرق الأخضر واليابس ولم تدخر جهداً لتحقيق ذلك سواء عبر التدخل الرسمي المباشر أو حتى عبر أعمال البلطجة كما حدث من قبل سيارة السفارة الأمريكية في القاهرة التي اقتحمت حشود المتظاهرين مخلفة القتلى والجرحى في صفوفهم وإدعت يومها أن السيارة تم سرقتها لتثير حفيظة المتظاهرين على النظام الحاكم، فهل يعقل سرقة السيارة والسفارات الأمريكية في كل دول العالم أقرب إلى قلاع محصنة لا يمكن الإقتراب منها؟.
بقدر ما تعيد جريمة مقتل جورج فلويد للأذهان العنصرية المقيتة التي عاش فيها المجتمع الأمريكي لعقود طويلة، بقدر ما تكشف عن الوجه الحقيقي البشع للدولة التي تدعي أنها راعية الديمقراطية والحرية والعدالة في العالم، لطالما عاثت أمريكا فساداً وإفساداً في العالم وإن قدر لنا أن نبحث في المصائب التي حلت بالعديد من دول العالم لوجدنا أمريكا تقف خلف كل ذلك، وكما تدرك شعوب العالم تلك الحقيقة تدركها أيضاً النظم الحاكمة حتى تلك التي تسير في الفلك الأمريكي، لكن الجميع يخشى جبروت ذلك البلطجي الذي نصب من نفسه شرطي العالم، وهي في سلوكها الدولي لا تختلف البتة عما فعله البلطجي "تشوفين".
المهم أن التظاهرات التي عمت الولايات الأمريكية على أثر مقتل فلويد حملت معها كل مظاهر الفوضى الخلاقة التي كانت تنادي بها أمريكا في منطقة الشرق الأوسط، وإن انطلقت تعبيراً عن رفض التفرقة والتمييز والعنصرية داخل المجتمع الأمريكي إلا أن جهات أخرى ركبت موجتها وحرفت بوصلتها نحو الفوضى الخلاقة بذات الطبيعة التي شكلتها أمريكا لنا، وبغض النظر عما يمكن أن تؤول إليه الأمور ورد فعل الإدارة الأمريكية الذي جاء بذات الطريقة التي لطالما وجهت أمريكا انتقاداتها للعديد من دول العالم عليها، إلا أن الأحداث كشفت المزيد من اللثام عن وجه الدولة العظمى بعد أن أطاح بالكثير منه عجزها أمام جائحة كورونا، وبالتالي لم يعد التحدي الذي يواجه أمريكا يتعلق بقدرتها على إعادة الأمور لما كانت عليه والتغلب على الآثار الكارثية للوباء بل حول مكانتها كقوة عظمى تقود العالم.
لا شك أن السادية التي يتعامل بها الرئيس الأمريكي مع خصومه داخل المجتمع الأمريكي، وعقلية المقاول في علاقاته الخارجية تارة والبلطجة تارة أخرى وإفتقاره للكثير من مقومات الحكم والسياسة أضرت بمكانة أمريكا، لكن الحقيقة أيضاً أن نجم أمريكا أفل في الوقت الذي تتقدم فيه الصين بخطى ثابته، وإن كانت أمريكا على مدار العقود السابقة صدرت للكثير من الشعوب القتل والدمار والإبتزاز فإن الصين بالمقابل شيدت بإستثماراتها في العديد من دول العالم الطرق والمصانع والمرافق الحيوية، وبالتالي بقدر ما على الإدارة الأمريكية أن تواجه اليوم الفوضى الخلاقة في مدنها بقدر ما عليها أن تستعد غداً للتخلي طوعاً أو رغماً عن أنفها عن مكانتها كقوة عظمى وحيدة في العالم.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق