تقرير يرصد سجون حماس: أقبية للتعذيب والشبح والسحل

31 مايو 2020 - 12:43
صوت فتح الإخباري:

شهادات وروايات كثيرة وُثّقت عن عمليات تعذيب وقتل على خلفية سياسية منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في العام 2007 في أعقاب الاقتتال الدامي مع حركة فتح. بعد أيام قليلة ستكون الذكرى الـ13 للاقتتال الذي عاشت تفاصيله مناطق واسعة من القطاع الذي يتعرض سكانه بدورهم لحصار إسرائيلي قاس.

نحو مليوني نسمة يعيشون في منطقة جغرافية تعد من المناطق الأصغر في العالم من حيث الكثافة السكانية، يتعرضون لأسوأ معاملة إنسانية وانتهاكات سواء من سلطات الاحتلال أو من سلطات الأمر الواقع، حسب ما تسمّيه منظمة العفو الدولية.

تقول تقارير حقوقية محلية إن الانتهاكات والتعذيب يتصاعدان ضد الخصوم السياسيين كلما تصاعدت حدة الخلافات السياسية بين حركتي فتح وحماس، وعلى الرغم من الهدوء الذي يسود منذ فترة بينهما في الضفة وغزة إلا أنه تم تسجيل انتهاكات وحالات تعذيب خلال الأشهر الثلاثة الماضية من ضمنها حالة وفاة بشبهة التعذيب في قطاع غزة.

وسلطت حركة حماس التي تحكم القطاع منذ منتصف يونيو 2007 أقسى عقوباتها ضد خصومها من حركة فتح، حيث وثقت منظمات حقوقية الكثير من الانتهاكات بحق النشطاء والسياسيين الذين ينتمون إلى الحركة الفلسطينية التي تسيطر هي الأخرى على الضفة الغربية ومتهمة بممارسة نفس تلك الانتهاكات بصورة ممنهجة.

ويروي مواطنون ونشطاء فلسطينيون قصصا عن استمرار معاناتهم من آثار التعذيب الذي مورس بحقهم منذ زمن الاقتتال إلى الوقت الحالي. ولا يزال الكثيرون خارج حدود وطنهم بفعل ما جرى في العام 2007، وهم لا يريدون العودة خوفا من الملاحقة أو الاعتقال والوقوع مرة أخرى في براثن السجون وأقبية التعذيب.

ويُتّهم جهاز الأمن الداخلي الذي أسسته حركة حماس في غزة بالوقوف وراء الكثير من عمليات التعذيب التي وثقتها منظمات حقوقية وجرت في مراكز التوقيف التابعة له في مختلف محافظات غزة.

وتعتمد حركة حماس على هذا الجهاز، إضافة إلى الجهاز الأمني التابع لجناحها العسكري في ملاحقة الخصوم السياسيين أو “العملاء والجواسيس لإسرائيل”. ويقول نشطاء إن الحركة الإسلامية تعامل خصومها بنفس الطريقة التي تعامل بها “عملاء إسرائيل”.

آلام لا تمحى

لم ينس الصحافي والناشط في المجتمع المدني (س. ق) تفاصيل عمليات تعذيبه داخل زنازين جهاز الأمن الداخلي لحركة حماس أثناء اعتقاله من منزله في غزة خلال العام 2009. فمنذ ذلك التاريخ يعاني الرجل من مشكلات نفسية وجسدية، حيث دفعته الظروف إلى مغادرة مسقط رأسه هربا من “وحشية” الملاحقات الأمنية المستمرة هناك.

ويقول في سرده لشهادته بشأن تلك العمليات إنه بعد “11 عاما ما زال الرعب والألم يلاحقانه” حتى هذه اللحظة، نتيجة لما ذاقه طوال فترة 26 يوما قضاها في زنازين يطلق عليها اسم “باص رقم واحد” حيث ظل فيها واقفا أو جالسا على الأرض يتمنى أن “يموت واقفا فيها وهو يحاول لملمة جراحه”.

ويضيف أنه منذ اقتياده من منزله إلى مكان اعتقاله وهو معصوب العينيين، وتم إعطاء رقم 56 له لمناداته به داخل مركز التوقيف. ويكمل أنه بعد سؤاله عن أخذه لدواء أو يتلقى العلاج من مرض معين، قاموا بشبحه ورفع يديه إلى الأعلى قبل الدخول إلى غرفة التحقيق في المكان الذي قال إنه “الباص رقم واحد”.

ويوضح أنه منذ دخوله إلى الباص رقم واحد وحفلة الاستقبال بدأت حيث قام عنصر ينادى عليه داخل المركز باسم أبوالعبد بسحبه وإجباره على الركض المسرع، كما ضربه بكابل كهرباء بكل وحشية. ويشير إلى أن هذا الأمر استمر نحو نصف ساعة من الضرب والإهانة وتم “شبحه” (تعليق يديه) على الحائط قبل دخوله إلى غرفة التحقيق.

وتطرق (س. ق)، الذي نكتفي بذكر الأحرف الأولى من اسمه بطلب منه، إلى أنه لحظة اعتقاله كان يتبادر إلى ذهنه سؤال موجه لأبي العبد الحقيقي (إسماعيل هنية، رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة في ذاك الوقت) لماذا الضرب والشبح وممارسة الأنواع المختلفة من أصناف التعذيب بحقه؟ ويضيف أنه قارن بينهم (حماس) وبين “أبوجميل الضابط الصهيوني في المسلخ وأبوالسعيد وأبوالوليد وغيرهم من ضباط الشين بيت فكانت المقارنة صعبة للغاية“.

ويقول إن المكان الذي اعتقل به كان عبارة عن مكان للقمع ومسلخ للمعتقلين وممارسة التعذيب وأن أفراد الأمن الداخلي يتعاملون بأسماء حركية وهمية. ويوضح أنه لم يشعر بتاتا أنه سجين بل كان شعوره الدائم أنه مختطف من قبل مجموعات وميليشيات مسلحة.

ويضيف أنه لم يكن يتوقع إطلاق سراحه وخروجه من السجن إلى الحياة مرة أخرى “حيث يتم إيهامه في كل مرة بأنه سيقتل الآن من خلال جولات التعذيب الوحشية التي مورست دون وقت محدد خلال الليل وفي الصباح وفي ساعات الظهر”.

أدوات القمع

تختلف أساليب التعذيب من شخص إلى آخر لكن الهدف واحد هو إخضاع المستجوب نفسيا وجسديا وإنهاكه، حسب شهادات روت آليات التعذيب الممنهجة التي سادت مراكز التوقيف وسجون حركة حماس منذ سيطرتها على قطاع غزة.

ويقول المواطن (س. ق) إن “أساليب التحقيق تتنوع ما بين الشبح والضرب المبرح والحرمان من النوم وممارسة أبشع أنواع التنكيل المحرمة دوليا بحق المعتقلين”.

ويكشف أن الأقسام في مراكز التوقيف تنقسم إلى قسم يطلق عليه “باص رقم1” وهو المسلخ، الذي يتعرض فيه المستجوب لأقسى أنواع التعذيب سواء بالصعق بالكهرباء أو بالضرب المبرح والعنيف. إضافة إلى أقسام أخرى تحمل أرقام “باص رقم 2 و3 و4 وغيرها”.

وأوضح أن الباص هو عبارة عن زنازين يوضع فيها المعتقل، لكن المميز أن “باص رقم واحد” لا توجد به أغطية تقي من برد الشتاء مثلا. فبقية الزنازين في أغلبها لا توجد فيها أيّ مقومات للعيش ويترك فيها المعتقل لأيام وليال يتعرض للتعذيب الشديد والإهانة والضرب المبرح.

ويقول الباحث الحقوقي الفلسطيني مصطفى إبراهيم “إن الأجهزة الأمنية تستخدم أساليب متعددة في التعذيب منذ سنوات، كحجر الموقوف في مكان يسمّى ‘الباص’ أو ‘المسلخ’ حيث يحرم من النوم لساعات طويلة وهو الأسلوب الأكثر استخداما”.

ويشير في مقالة سمح لـ”العرب” بنشر مقتطفات منها، إلى أن تلك الأجهزة تستخدم أيضا أدوات تسبب ألما شديدا من دون أن تترك آثارا على جسم المعذبين.

ويضيف أن “التعذيب وسوء المعاملة لم يتوقفا بحق المواطنين المحتجزين في قضايا مدنية مثل المخدرات والسرقة، لانتزاع اعتراف منهم، وكذلك بالنسبة إلى المتهمين في قضايا سياسية وضحايا الاحتجاز التعسفي”.

موت تحت التعذيب

في تقرير نشر في 20 مايو ذكرت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (ديوان المظالم) أنها تلقت خلال أبريل ثلاث شكاوى تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة جميعها في قطاع غزة، مشيرة إلى “شكاوى ضد جهازي الشرطة والأمن الداخلي”. وأوضحت الهيئة أنها تلقت كذلك سبع شكاوى حول عدم صحة إجراءات التوقيف، كون توقيف المشتكين كان إما لأسباب سياسية وإما توقيفا تعسفيا.

ويقول نشطاء في غزة إن أغلب حالات الاعتقال تتم خارج أطر قانونية وبعضها يشارك فيها عناصر من كتائب القسام الجناح المسلح لحماس.

وتوفي في فبراير الماضي عصام السعافين (39 عاما) بعد نحو شهر من اعتقاله على يد مجموعة من الملثمين يتبعون قوة أمنية لحماس، وظهرت على جسده أعراض تعذيب وآثار صعق بالكهرباء. وقالت حماس حينها إنها شكلت لجنة للتحقيق في ظروف وفاته.

وقال يامن المدهون، رئيس وحدة الرصد والتوثيق في مركز الميزان لحقوق الإنسان، لـ”العرب” إن موضوع المواطن السعافين “كان من الحالات الواضحة بشأن الوفاة بشبهة التعذيب”، موضحا أن نتائج التحقيق التي أعلنت الأجهزة الأمنية في غزة عن القيام بها لم تعلن حتى اللحظة وأن المسألة قد تحلّ بشكل ودّي مع عائلته.

وأكد المدهون أن التعذيب في مراكز التوقيف بقطاع غزة انحسر خلال السنوات الماضية، لكنه أشار إلى تسجيل حالات من الاعتداء اللفظي والجسدي خلال الحملات الأمنية التي تشن بين الحين والآخر مثلما جرى في حملة “بدنا نعيش” التي انطلقت في مارس العام الماضي.

يشار إلى أن هذه الحملة الشبابية التي طالبت بتحسين الأوضاع الصعبة التي يعيشها سكان القطاع واجهتها حركة حماس بحملة اعتقالات واسعة طالت نحو ألف شاب. وعلى الرغم من الطابع المطلبي الاجتماعي فقد اتهمت حماس القائمين عليها بالتواصل مع رام الله بهدف بث الفوضى والتخريب في القطاع.

وأوضح المدهون أن أغلب الحالات التي تعرضت للتعذيب كانت على خلفية اتهامات سياسية كان أبرزها “التخابر مع رام الله”.

وتظهر معلومات حقوقية متداولة أن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها سلطات حماس لمواجهة تداعيات انتشار فايروس كورونا استثنت جميع المحتجزين على خلفية الانقسام السياسي أو ممن تم اتهامهم بالتخابر مع الضفة الغربية أو لعملهم في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية.

وقال عبد أبوالطيب، وهو اسم مستعار لناشط حقوقي في قطاع غزة، “إن الانتهاكات تزداد وتشتد وطأة ضد الحركات الشعبية والمطلبية التي تظهر بين الحين والآخر وتتسبب في تهديد مباشر لحكم الحركة الإسلامية”. وأكد أن “حالات التعذيب والشبح لا حصر لها وأدت في كثير من الأحيان إلى حالات وفاة”.

وأشار إلى أن “حالات التعذيب والشبح التي استخدمتها حركة حماس وأذرعها الأمنية والعسكرية ضد معارضيها كانت بالسابق أكثر قوة وكثافة في محاولة من الحركة لتثبيت حكمها”.

وكشف أن “هناك أكثر من جهة مسؤولة عن تلك الانتهاكات ولكنها تظهر بشكل جلي بالأمن الداخلي والجناح العسكري لحماس، ولا يخفى على أحد أن الكلمة العليا في قطاع غزة هي لحركة حماس وأذرعها العسكرية”، موضحا أن هناك بعض التجاوزات الفردية التي يقوم بها بعض الأفراد من الأجهزة الأمنية المختلفة.

وتقول حركة فتح إن نحو 46 عنصرا يتبعون لها مازالوا في سجون حركة حماس في قطاع غزة، بينهم من يقبع في سجن “الكتيبة” غرب غزة ونحو 30 معتقلا في سجون الأمن الداخلي دون تحديد تهم لهم.

وقالت ميرفت النحال، مسؤولة وحدة المساعدة القانونية، في مركز الميزان لحقوق الإنسان لـ”العرب”، إن عمليات إثبات حالات التعذيب غير سهلة وهي صعبة جدا، مشيرة إلى أنه لا يوجد تعذيب داخل السجون إنما قد تكون هناك في مراكز التوقيف شبهات تعذيب عند “المكافحة والمباحث والأمن الداخلي”.

وأوضحت أنه في حالة المواطن السعافين ظهرت بعض الإشكالات خاصة أن طبيبا مستقلا يتبع الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان أثبت وجود بعض الكدمات والتعذيب على جسده.

وكشفت ورود بعض الشكاوى إلى مركز الميزان بشأن حالات تعذيب، لكن في مراجعة الجهات الرسمية بشأن تلك الشكاوى عادة لا يكون ردها “واضحا وصريحا” بشأن مضمون الشكوى المقدمة.

وأشارت إلى أن هناك تقييدا للحريات في قطاع غزة بصفة عامة وخاصة حرية الرأي والتعبير التي تشهد تضييقا على الصحافة مع قمع للمظاهرات، موضحة أن “الوضع غير وردي”.

لا شيء تغير

تقول منظمة العفو الدولية إنه تم تسجيل انتهاكات مروّعة لحقوق الإنسان ارتكبتها قوات الأمن التابعة لحماس في قطاع غزة، واستهدفت المحتجين السلميين والصحافيين والعاملين في مجال الحقوق، وذلك خلال الحملة التي شهدها قطاع غزة في مارس العام الماضي. لكن المنظمة عادت هذا الشهر في تقرير جديد نشر في السابع من مايو 2020 لتؤكد وجود اعتقالات تعسفية في القطاع والضفة الغربية على حد سواء.

ودعت المنظمة السلطات الفلسطينية إلى وضع حد “للانتهاكات التي يتعرض لها الحق في حرية التعبير، وعلى وجه الخصوص، الاعتقالات التعسفية، وأن تفرج فورا ودون قيد أو شرط عن جميع أولئك الذين تم اعتقالهم لمجرد التعبير السلمي عن آرائهم”.

وتوضح أن “السلطات في الضفة الغربية وقطاع غزة انتهكت الحق في حرية التعبير من خلال اعتقال الأفراد تعسفيا لمجرد تبادلهم وجهات نظرهم سلميا على وسائل التواصل الاجتماعي في ظل تفشي وباء فايروس كوفيد – 19”.

وبشأن الوضع الحقوقي في قطاع غزة، قال صالح حجازي نائب مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية لـ”العرب” إن “ما نراه على الأرض هو المزيد من نفس الانتهاكات واستمرار نفس الأنماط”، مشيرا إلى أن “لا تغيير إيجابيا يذكر”.

وأوضح أن المنظمة تسعى دائما للتواصل مع السلطات المحلية في غزة بشأن هذه الانتهاكات، مشيرا إلى أنه “لم نلمس أي تفاعل جدي بخصوص مسؤوليات سلطة حماس في غزة عن حماية حقوق الإنسان حسب القانون الدولي، وهذا ما هو منعكس على أرض الواقع”.

عن العرب اللندنية

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق