إيهود باراك يكشف ما دار وراء الكواليس في «كامب ديفيد» (1-2)

09 مايو 2020 - 11:52
صوت فتح الإخباري:

أجرى المقابلة: د. أوري ميلشتاين

بعد أن أنهى رئيس الوزراء، أيهود باراك، في أيار 2000، قبل 20 سنة بالضبط، مشروعه الإستراتيجي الأول وأخرج الجيش الإسرائيلي من لبنان، توجه على الفور للبدء بالمشروع الثاني والأكثر تعقيداً: محاولة الوصول إلى اتفاق سلام تاريخي ونهائي مع الفلسطينيين. وذلك استمراراً لمسيرة «أوسلو» العالقة التي كان بادر إليها قبل سبع سنوات من ذلك رئيس الوزراء إسحق رابين، ووزير الخارجية شمعون بيريس، ونائبه يوسي بيلين. حتى حين كان رئيساً للأركان تحفظ باراك على الفصل الأمني في اتفاق أوسلو، وادعى أن فيه ثقوباً أكثر مما في الجبنة السويسرية. واستخلص باراك الدروس ليس فقط من اتفاقات أوسلو «أ» و»ب» العالقة، بل أيضاً من اتفاق «واي» الذي عقده نتنياهو، وكذا من التاريخ البعيد والقريب: من قصة النبي محمد، الذي توصل مع أعدائه في مكة لـ»صلح الحديبية»، ومن «خطة المراحل» لهزيمة إسرائيل التي وافقت عليها دول عربية بعد حرب «الأيام الستة» في الخرطوم؛ وكذا من حقيقة أنه بعد نصف سنة من اتفاق أوسلو ادعى ياسر عرفات في يوهانسبورغ أن اتفاقات أوسلو تساوي في معناها «صلح الحديبية».
وبناء على ذلك قرر باراك أن يقلب الإستراتيجية رأساً على عقب. أن يبدأ بالسعي إلى اتفاق إطار يشير إلى هدف مشترك لإنهاء النزاع، والذي أمل في تحقيقه بموافقة مبدئية في مؤتمر كامب ديفيد، وفقط بعد ذلك البحث في اتفاق كامل ينفذ على مراحل. على مدى الـ 15 يوما أغلق الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، عرفات، وباراك، مساعدوهم ومستشاروهم، على أنفسهم في منتجع الرئيس الأميركي في ولاية ميريلاند وفشلوا. بعد 20 سنة، في الفصل الثاني من المحادثات التاريخية التي أجريتُها معه، يكشف باراك تفاصيل التفاصيل عما حصل هناك، في وثيقة نادرة وحصرية لملحق «معاريف».

من أجل «منع الانفجار»
* لماذا كان ملحاً لك أن تحل المشاكل الجوهرية بين إسرائيل والفلسطينيين – القدس، اللاجئين، الحدود، والأمن – وليس مواصلة المسيرة التي صممها أسلافك؟
- «بعد فوز نتنياهو قررت خيارين إستراتيجيين، أؤمن اليوم أيضاً بانهما كانا صحيحين. أولا، تشكيل حكومة تحاول أن تواصل، مع التعديلات اللازمة، المسيرة السياسية التي توقفت باغتيال رابين. وثانياً، محاولة التقدم: سواء مع السوريين والخروج من لبنان أم مع الفلسطينيين. وكان الإطار الأعلى اعترافي بأن استمرار الوضع القائم يؤدي بالضرورة إلى صدام عنيف مع الفلسطينيين. في نهاية أيار 1998، بعد سنة من فوزي في الانتخابات، قلت عن الفلسطينيين في «خطاب الخراف الصامتة»: «لا يمكن لهذا أن يستمر. الوضع سينفجر. نحن أقوياء. أقوياء جداً. وسننتصر في هذا الصراع أيضاً، ولكننا لا نعرف كيف نشرح لأنفسنا ولليتامى والأرامل فقدان الحياة الزائد، حين كان سبيل آخر، سبيل لا يمس بأمن الدولة، بل يعزز قوتها، ولم نفحص إمكانيته».
«لم أعرف بثقة أننا سننجح في التقدم. ولكني عرفت جيداً أنه من عديم المسؤولية الوطنية الامتناع عن الدور التاريخي للزعامة في مثل هذا الوضع – محاولة منع ما يوشك أن يقع. كانت عندي عصبة جيدة بالإجمال من الوزراء والمساعدين: داني ياتوم، غيلي شير، أمنون ليبكن، شلومو بن عامي. وكان في الحكومة تمثيل قوي لجيل 67 و 73، أناس قاتلوا من أجل الدولة ووصلوا إلى المصاف الأول للحكم. والوعي الذي تكرس عندي في ميادين القتال كان أنه محظور السماح بتكرار ما حصل بين الأيام الستة وقصور يوم الغفران.
«كان في الحكومة أمنون ليبكن، إيتسيك مردخاي، أفرايم سنيه وأنا. أربعتنا كنا مع قادة الميدان في الغفران. أربعتنا قاتلنا في المزرعة الصينية، في تلك المعركة وفي ذات المكان. كلنا كنا متأكدين في وعينا من أنه محظور تكرار قصورات العمى والمفهوم المغلوط الذي ميز القيادة السياسية للحرب ذاتها. غيلي شير وداني ياتوم هما أيضاً قاتلا هناك. سيكون دقيقاً القول: إنه في المستوى العميق كنا هناك بقدر كبير بسبب تجربة حرب 73. حاجتنا للدخول إلى السياسة نبعت من الوعي الذي تبلور فينا في 73 كقادة ميدانيين. انت تدفع ثمناً، تقاتل من أجل الحياة والموت في دونية تكتيكية، نتيجة لقرارات إستراتيجية وسياسية غير مبررة. وذلك حين كان ممكناً دحرجة الأمور بشكل آخر والوصول في شروط أفضل بكثير إلى الحرب أو إلى ألا تكون حاجة إلى الحرب على الإطلاق.
«حتى هنا مع الـ 73 ومن هناك إلى الـ 99. قبل أن انتخب كانت لدي معلومات استخبارية مؤكدة بأن الفلسطينيين يتدحرجون إلى الانفجار. ولمنع انتفاضة ثانية، كانت حاجة لمحاولة صياغة إطار «إنهاء النزاع» يعطي للفلسطينيين ولنا أفق أمل.

الطريق إلى كامب ديفيد
* ما الخطوات الأولى التي قمت بها، حتى قبل قرار التوجه إلى كامب ديفيد؟
- «فور تشكيل الحكومة، في تموز 99، التقيت حسني مبارك في القاهرة، ومع عرفات في حاجز إيرز، وبعد أسبوعين من اليمين القانونية في الكنيست سافرت للقاء كلينتون. خرجنا في عطلة إلى كامب ديفيد وأجرينا 12 ساعة من المداولات».
* هل سألك كلينتون ما هي الفرص في أن يوافق عرفات على البحث بجدية في المواضيع الجوهرية والوصول إلى صيغة لإنهاء النزاع؟
- «نعم. أجبت أني لا أعرف إذا كنا سنحقق شيئاً. يحتمل أن نحقق أموراً جزئية مثلما لم يحقق بيغن والسادات كل شيء، ويحتمل ألا نحقق شيئا. كان كلينتون قلقاً بعض الشيء من تأجيل تنفيذ اتفاقات واي، ولم يكن واثقاً من أن الفلسطينيين سيقبلون نيتي البدء من الموضوع السوري. في تشرين الثاني 1999، بمناسبة خمس سنوات على منح جائزة نوبل وأربع سنوات على اغتيال رابين، أجريت احتفالات لذكراه في أوسلو. كلينتون وعرفات وصلا. تحدثنا هناك ثلاثتنا في لقاء طويل في منزل السفير الأميركي».

* لما كنت قررت البدء بمعالجة المفاوضات مع سورية والخروج من لبنان، كيف تواصل تحقيق إستراتيجيتك بالنسبة للفلسطينيين، وكيف كان وزير خارجيتك دافيد ليفي مشاركاً في ذلك؟ يقال: إنك أقصيته عن المسار الفلسطيني، وقد استاء هو جداً لذلك.
- «العكس هو الصحيح: دافيد ليفي قدرته جداً. لما قال لي: إنه لا يؤمن بإستراتيجيتي بالنسبة للفلسطينيين وهو لا يريد أن ينشغل بهذا ولا يريد أن يخرب أيضاً قلت له: حسناً، سأودع موضوع الفلسطينيين لشلومو بن عامي. أضفت لبن عامي غيلي شير وبعثتهما لإجراء محادثات مع الفلسطينيين في كل أنواع الأماكن في العالم. وكانت بالتوازي عدة قنوات أخرى. فقد كانا في المحادثات في أوسلو قبل لقائي مع كلينتون وعرفات، وبعد سنة من ذلك، في بداية حزيران 2000، بعثتهما إلى الولايات المتحدة لجس النبض إذا كان هناك نضج لمؤتمر كامب ديفيد. وقد قاما هناك بعمل ممتاز».

* كيف رد عرفات على فشل المفاوضات مع سورية؟
-«كان عرفات راضياً جداً عن هذا، رغم أنه كان متفهماً من قبل ولم يحاول وضع العراقيل أمام المحادثات معهم. أما الآن، وبإسناد أميركي، أراد لشيء ما أن يحصل في جانبه أيضاً. طرحت فكرة عبر مقربه، رجل المخابرات السابق، يوسي غينوسار، بأن يحصلوا على السيطرة على ثلاثة أحياء قرب القدس، العيزرية، الرام، وأبو ديس، بسبب تأجيل تنفيذ النبضة الثانية التي اتفق عليها بيبي في اتفاق واي. الأميركيون أحبوا الفكرة».

* كيف اقتنع كلينتون باستضافة مؤتمر لإنهاء النزاع في كامب ديفيد؟
- «في منتصف حزيران 2000 بعث كلينتون دينس روس لجس النبض قبيل القرار. قال لي دينس إننا كي ننجح في جلب الفلسطينيين إلى البحث عليّ أن أنفذ عدة خطوات. وطرح كل الأفكار. مثلاً، أن يوافق الفلسطينيون على تنفيذ كل الاتفاقات بشكل متدرج أكثر من ناحية الجدول الزمني، ولكن بالمقابل يحصلون على أكثر مما نعتزم نحن. حاولت أن أفحص ما الذي يفكر به عن القدس. قلت: لا يمكنني أن أعطي أجوبة. فأنت تعرفني. أنا شخص جدي، لا أخاف من أي شيء ولكني لن أقدم تنازلاً عما تبدو لي المصالح الحيوية لإسرائيل».
«فهم أني لن اعطي أجوبة مسبقاً، وأن كل شيء منوط باستعداد عرفات للبحث في إنهاء النزاع ونحن لن نكشف مسبقاً المواقف لأن هذا سيصعب فقط على المفاوضات. مع كلينتون والأميركيين أجملت أمرين فقط: أولاً، لا يكون شيء متفق عليه إلى أن يكون كل شيء متفقاً عليه. وعليه، إذا فشل المؤتمر، فإن كل الاقتراحات التي طرحت تكون لاغية من أساسها. هي لن تمحى من الذاكرة، ولكن لا يمكن الاستناد إليها قانونياً. وثانياً، ألا تكون بيننا مفاجآت. والتزم الأميركيون بذلك بشكل شبه تام.
«بعد يوم من سفر دينس روس عائداً إلى الولايات المتحدة، في 5 تموز، أبلغني كلينتون بأن عرفات موافق على المجيء إلى المؤتمر وهو سيعقد في 11 تموز في كامب ديفيد ويستمر ثمانية أيام. وذلك لأنه في اليوم التاسع سيسافر كلينتون إلى أوكيناوا في اليابان لمؤتمر القوى العظمى الصناعية الثمانية. اتفقنا على أن تكون المواضيع هي الأمن، الحدود، اللاجئين، والقدس. وبالأساس: إنهاء النزاع وانتهاء كل المطالب المتبادلة. عقدت الحكومة، وعرضت الصورة على الوزراء. قلت: إننا نتوجه إلى الحديث عن هذه المواضيع. لا توجد ضمانة بأن تكون إنجازات، ولكن عندما ننظر إلى أفق العنف الذي بانتظارنا بالضرورة، فإنها من المسؤولية الوطنية من الدرجة العليا محاولة منع الانفجار، رغم أننا لا نعرف إذا كان ممكناً تحقيق هذا الهدف. سنحرص على موضوع الأمن وعلى المصالح القومية الحيوية. وبالطبع لا عودة إلى حدود 1967. ستبقى القدس موحدة وكتل المستوطنات في المناطق ستكون ضمن حدود إسرائيل. لن يكون جيش أجنبي غربي الأردن. إذا توصلنا إلى اتفاق نطرحه على استفتاء شعبي.
دار في الحكومة جدال عنيد، وبعد أن أعلنت باننا سنتوجه للبحث في هذه المواضيع، خرج شيرانسكي، «المفدال»، وبعد هذا «شاس» من الحكومة. بقيت حكومة أقلية تستند إلى 43 نائباً في الكنيست».
* هذا يعني أنه لم تكن ثقة بإستراتيجيتك؟
- «أنت مخطئ. كان لي تفويض سياسي وأخلاقي للقيادة، استمددته من الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء الذي كان متبعاً في حينه، بالتوازي مع انتخابات الكنيست. نحو مليونين انتخبوني بشكل مباشر كي أحقق ما أعلنته. قبل أن نسافر جرى في الكنيست تصويت حجب ثقة. نجح وفشل: 54 ضد مقابل 52 نعم. النجاح بالطبع هو أنه كان للمعارضة أصوات أكثر مما كان لي. وبالتالي وكأنهم نجحوا. ولكنهم خسروا لأنه بطريقة الانتخابات في حينه كانت تنقصهم سبعة أصوات كي يصلوا إلى 61 لإسقاط الحكومة. ضعفنا ولكننا لم نسقط».

* ما الذي أملت بتحقيقه في كامب ديفيد؟
- «لم يتحدث أحد عن اتفاق سلام نهائي. كان الهدف اتفاق إطار. هذا أيضاً ما تحقق في كامب ديفيد بيغن في 1978. بعد اتفاق بيغن تحدثوا سنة كاملة أخرى عن التفاصيل، وفقط بعد ذلك وقعوا على اتفاق سلام. وتنفيذه كان لخمس سنوات أخرى. لم نفكر بتحقيق اتفاق. ولكن قلنا: إنه يوجد احتمال لتحقيق اتفاق إطار، ولكن حتى عن هذا لم نعرف حقاً. أدرنا كما أسلفنا مئات ساعات المحادثات في أربع قارات، ثماني طواقم مختلفة على مدى هذه السنة. كنت مطلعاً على كل الاتصالات السابقة مع الفلسطينيين في سنوات رابين وبيريس. بذلنا جهداً هائلاً. ولكن لم يكن وضع فكرنا فيه نحن أو الأميركيون بأنه توجد مسودة وتوافقات. هذا ما قلته للصحافيين قبل المؤتمر. كل مرة كانوا يسألونني فيها ما هي الاحتمالات أعطيتهم الجواب ذاته: 50 – 50. إذ إني اعرف شيئاً ما أنتم لا تعرفونه. توجد إمكانيتان: يمكن لهذا أن ينجح ويمكن لهذا أن يفشل. لا يمكن لنا أن نعرف ما الذي سيحصل من هذين الأمرين.

طريق ­مسدود
* ماذا شعرت عند الدخول إلى كامب ديفيد؟
- في مطار بن غوريون جلب لي آريه درعي، الذي كان خرج من الحكومة، بطاقة من الحاخام عوفاديا يوسيف وكان مكتوباً عليها «بالتوفيق». في ذاك اليوم نشر 37 لواء وعميداً في الاحتياط إعلان تأييد في طريقي إلى المؤتمر. كامب ديفيد هو منشأة شبه عسكرية، يديرها رجال الأسطول الأميركي وسلاح الإنزال. في قلب حديقة وطنية في جبال الأبلشيم، على مسافة نحو 100 كيلو متر عن واشنطن العاصمة. خصص لنا 12 مكاناً، وباقي أعضاء الوفد ورجال الإعلام نزلوا في بلدة مجاورة. كان لدي إحساس بالمسؤولية العظمى. محاولة التقدم في حل نزاع دام 120 سنة، منذ الخروج إلى ما وراء الأسوار في القدس.
«أذكر جيداً اليوم الأول. ساد في حينه في المعسكر نوع من الهدوء. وكان تقديري أنه لا يوجد أي سبيل لمعرفة ما ستكون النتيجة. قلت لكلينتون في ذاك اليوم: إنه يوجد لعرفات ما يحصل عليه: دولة فلسطينية مع موافقة إسرائيلية وإسناد العالم كله، أو ألا يحصل عليها ويواصل الأعمال العدائية. لا يمكننا أن نجبره.
«الصورة التي أذكرها أكثر من غيرها من اليوم الأول كانت بالطبع الوصول إلى القاعة التي عقد فيها احتفال الافتتاح. وقعت حادثة: في المدخل طلب مني عرفات أن أدخل أولاً، وأنا قلت: لا، أنت أكبر مني، أنت رئيس، أنا مجرد رئيس وزراء، ادخل أنت أولاً. كُتبت عن هذا تحليلات كثيرة، ولكن لم يكن في هذا أي شيء. قد يكون تعبير عن روح الخفة. أقمنا في ذاك اليوم طاقماً زوجياً لكل موضوع سيبحث مقابل الطاقم الفلسطيني. بالإجمال خمسة طواقم: طاقم أمن، طاقم حدود، طاقم لاجئين، طاقم القدس وطاقم إنهاء النزاع. بعد يومين من المباحثات لم يكن أي تقدم. التقينا كلنا معاً في وجبتَي الغداء والعشاء. أكلنا، ثرثرنا، ولكن المحادثات كانت عقيمة، ولم يحصل شيء.
«بعد يومين تقدم دينس روس بوثيقة وصف فيها التوافقات والخلافات في الطواقم. قلت بغضب لكلينتون: «ماذا فعلتم؟ الفكرة هي أنه برعايتكم تجرى مفاوضات مباشرة. في اللحظة التي تتدخلون فيها، يصبح هذا مشروعاً أميركياً يطرح كل طرف مواقفه ويجب اتخاذ قرارات، بل يجب التطرق لما يقوله الأميركيون». فقال كلينتون: هذا خطئي. في اليومين التاليين لم يكن أيضاً أي تقدم. مستشار الأمن القومي الأميركي، ساندي بيرغر، أبدى لي ملاحظة بأني في وجبات العشاء لم أتحدث بحميمية مع عرفات بل مع تشلسي، ابنة كلينتون. لم أعاند، سرت بصحبة يوسي غينوسار، الذي جاء إلى القمة ضمن حصة الأميركيين، للقاء عرفات في كوخه. كان أبو مازن حاضراً. فلسطيني شاب قدم الشاي والكعك. قضيت هناك ساعتين ونصف الساعة، كانت أجواء ودية. تحدثنا عن كل شيء. روى عرفات قصصاً. تدخل أبو مازن قليلاً. احتسينا القهوة وأكلنا البقلاوة. تدخل غينوسار قليلاً. أما أنا فكنت خائب الأمل. قدر يوسي بأن اللقاء سيساعد «لأن هكذا هو مبني».

* ماذا كان عمل كلينتون في المؤتمر؟
-«يوم السبت، 15 تموز، ذهب كلينتون ليلتقي على حدة بكل واحد من الطواقم ولسماع ما حققوه. سأل أسئلة وأخذ الانطباع عن الفوارق. وفي الغداة جاء ليستمع إلى بحث الطاقم الذي عني بالحدود. غيلي شير وشلومو بن عامي عنا وأمامهما أبو علاء. هناك انفجر كلينتون على أبو علاء، إسرائيل مستعدة لأن تعطي الفلسطينيين 85 في المئة من المناطق، بينما يرفض أبو علاء حتى البحث في ذلك. في المساء قال لي كلينتون خائب الأمل إن عرفات يطلب وقف المباحثات في الطواقم المختلفة الخمسة. في أعقاب ذلك قرر كلينتون أن يعين كل طرف شخصين يجلسان كل الليل وفي الصباح يعلنان عما هما قادران على الموافقة عليه.
«عينتُ شلومو بن عامي وغيلي شير، وعيّن عرفات صائب عريقات ومحمد دحلان. كان هذا اجتماعاً دراماتيكياً. وقف جنود المارينز على الباب، ولم يسمحوا لأحد بالدخول. جلس الأربعة كل الليل، ولم يكن تقريباً أي تقدم. الأمر الوحيد الذي طرح كان فكرة عريقات اقتسام السيطرة في القدس – الأحياء اليهودية تكون تحت سيطرة إسرائيل والأحياء العربية تحت سيطرة الفلسطينيين. وكان هذا الاقتراح بخلاف مبدأ أساسي لنا أن تبقى القدس تحت سيادة إسرائيل. سار بن عامي وشير في هذا الموضوع نحو الفلسطينيين اكثر مما صادقت لهما به.
«مرت ستة أيام ولم يتحقق شيء. كتبت كتاباً لكلينتون وادعيت فيه أني جئت إلى كامب ديفيد برغبة في استنفاد الفرصة للوصول إلى اتفاق قبل الانفجار. يتحدث عرفات عن مخاطر توجد لديه. عندنا توجد مخاطر أيضاً. بن عامي وشير أجريا بمبادرته حديثاً ليلياً مع عريقات ودحلان وسارا أكثر بعداً مما صادقت عليه.
«أنا مستعد لقرارات صعبة»، كتبت لكلينتون، «ولكن إذا لم يكن تحرك من الجانب الفلسطيني، فإني لن أحمل إسرائيل للتنازل عن تحقيق المشروع الصهيوني. لم آتي لأدير بيع تصفية لإسرائيل، والتي هي تحقق لرؤيا الأجيال. ما يوجد لنا حققناه بجهد وتضحيات ودم كثير. هذه لحظة الحقيقة، وأنت ملزم بإقناع عرفات باتخاذ قرارات صعبة. قلت لك قبل سنة إذا كنا سننجح أم لا. الوضع يمكن أيضاً أن يصل إلى المواجهة. لمنع هذا أتواجد هنا. إذا وصلنا إلى مواجهة، سيعرف جمهورنا كم بعيداً كنا مستعدين للسير كي نمنعها. سنكون موحدين وأقوياء وسننتصر في المواجهة. حسب رأيي، سيكون لنا أيضاً تأييد دولي. ولكن لا يمكن لأي قوة أن تجبرنا على الانتحار. لا يتحقق السلام إلا إذا كان هناك استعداد لاتخاذ قرارات صعبة في الطرفين. شعبنا سيفهم هذا، وبرأيي أيضاً الشعب الأميركي سيفهم».
عن «معاريف»

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق