في ذكرى اغتيالهما، "أبو جهاد" والرنتيسي.. العنوان فلسطين والمشروع مقاومة الاحتلال

16 إبريل 2020 - 11:54
صوت فتح الإخباري:

اغتيالُ الاحتلال الإسرائيلي كلاً من عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" القائد خليل الوزير (أبو جهاد)، وعضو المكتب السياسي لحركة حماس د.عبد العزيز الرنتيسي –( حيث توافق ذكرى استشهاد ابو جهاد اليوم، والشهيد الرنتيسي خلال هذا الأسبوع)- لم يكن إلا تعبيراً واضحاً عن الإجرام الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني ومناضليه، وفي الوقت نفسه تأكيدٌ على وحدة القياديَّين ومشروعهما في العمل من أجل فلسطين ومشروع الحرية والاستقلال.

كلاهما كان له موقف متشابه الى حد كبير في لغة التعامل مع الاحتلال، رغم التباين الفكري والعملي في جوانب تكتيكية لكل منهما، خطاب الوزير والرنتيسي المركزي وجهاه للاحتلال الذي لا يفهم إلا لغة المقاومة، وقضيا شهداء وهم يعملان لمشروع وطني حمل الراية بعدهما جيل فلسطيني يؤمن بالفكرة التي حملاها، ودماءهما تنادي الجميع بضرورة انهاء الانقسام والوحدة لمواجهة الاحتلال.

خليل الوزير (أبو جهاد)

خليل الوزير، المعروف باسمه الحركي "أبو جهاد"، تعود أصوله إلى بلدة الرملة الفلسطينية التي غادرها إلى غزة لاجئاً إثر حرب عام 1948، هو رفيق مسيرة الزعيم الفلسطيني التاريخي ياسر عرفات وبعد أن أنهى دراسته في جامعة الإسكندرية، انتقل إلى السعودية، ومنها توجه إلى الكويت وهناك التقى "أبا عمار" وساهم معه عام 1963 في تأسيس "فتح" وتولى في "الحركة" مسؤولية العمليات في فلسطين المحتلة.

وتولى رئاسة أول مكتب لـ"فتح" في الجزائر، ومنها توجه إلى دمشق، حيث أقام مقر القيادة العسكرية ليبقى قريباً من فلسطين، وكلف بتوجيه "الخلايا الفدائية" داخل فلسطين المحتلة التي باتت نواة لمقاتلين شاركوا في حرب حزيران عام 1967.

وكُلف لاحقاً بالمسؤولية عن القطاع الغربي في "فتح"، وهو القطاع الذي كان يدير العمليات في الأراضي المحتلة، وأثناء توليه قيادة هذا القطاع عكف على تطوير القدرات القتالية للمقاتلين الفلسطينيين، وكان له دور بارز في قيادة معارك بيروت في عام 1982 خلال الغزو الاسرائيلي للبنان.

لعب "أبو جهاد" دوراً محورياً في اندلاع وديمومة الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، ووصف بـ"مهندس" الانتفاضة، فهو من "رسم" برنامجها في رسالته الشهيرة بعنوان "لنستمر في الهجوم، لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة"، وأشرف على الكثير من العمليات العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وشارك في تنفيذ عدد منها.

بعد حصار بيروت في عام 1982 وخروج قوات المنظمة منها عاد "أبو جهاد"، مع "أبي عمار" إلى مدينة طرابلس؛ ليقود معركة الدفاع عن معاقل الثورة في مواجهة "المنشقين"، وبعد الخروج من لبنان توجه "أبو جهاد" إلى تونس، حيث مقر المنظمة الجديد ومقر إقامة أسرته.

كان القرار الإسرائيلي باغتيال الوزير قد اتُّخذ بشكل نهائي، في أعقاب العملية التي خطط لها "أبو جهاد" بإنزال مجموعة من الفدائيين إلى شواطئ تل أبيب، ثم التوجه بعد ذلك إلى مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية وأسر كبار الضباط والعاملين في الوزارة.

بالرغم من أن العملية لم تنجح تماما كما خطط لها "أبو جهاد"، فإن تلك العملية كانت بالنسبة للقيادة الإسرائيلية "ناقوس خطر"، وكانت تمثل خرقا لـ"قواعد الصراع بين الطرفين" التي تقضي بعدم المساس بقادة الصف الأول.

وكان الإعداد لعملية اغتيال "أبي جهاد"، اكتمل، فكلفت الوحدة الخاصة لهيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي، وسلاح البحرية الإسرائيلي ووحدة "قيسارية" في "الموساد" بإعداد خطة اغتياله.

وأوكلت مهمة قيادة فريق التنفيذ لنائب رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال آنذاك إيهود باراك، الذي أصبح رئيساً لوزراء حكومة الاحتلال فيما بعد، وأشرف الجنرال موشيه يعلون رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية، وأصبح وزيرا للدفاع فيما بعد وعضوا في تحالف "أبيض أزرق" بقيادة بيني غانتس، على سير عملية التنفيذ بالتعاون مع "الموساد".

وفي 16 نيسان عام 1988، نزل 20 عنصراً من القوات الإسرائيلية من أربع سفن وغواصتين وزوارق مطاطية وطائرتين عموديتين للمساندة على شاطئ الرواد قرب ميناء قرطاج في تونس. وبعد مجيء "أبي جهاد" إلى بيته، في ضاحية سيدي بوسعيد شمال العاصمة، كانت اتصالات عملاء "الموساد" على الأرض تنقل الأخبار، وتوجهت القوة المكلفة بعملية الاغتيال إلى منزله.

وبينما كان يكتب أبو جهاد (52 عاماً) كلماته الأخيرة على ورق كعادته ليوجهها إلى قادة الانتفاضة للتنفيذ، سمع ضجة بالمنزل، رفع مسدسه وذهب ليرى ما يجري، كما روت زوجته، انتصار الوزير، عاجله الإرهابيون بسبعين رصاصة تخترق جسده.

لم تعترف تل أبيب صراحة بعملية الاغتيال إلا في عام 2012، حيث نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية تحقيقاً صحافياً يؤكد أن الجيش الإسرائيلي كان وراء اغتيال "أبي جهاد".

وفي برنامج تلفزيوني، اعترف موشيه يعلون بأنه "أعدم" القيادي الفلسطيني، وألمح إلى أنه أطلق النار على رأس "أبي جهاد"، وأنه صعد للطابق الثاني، حيث كان غارقاً بدمائه، للتأكد من أنه قد فارق الحياة، واقترب يعلون منه وأطلق رصاصة برأسه، بحسب أقواله.

ودُفن "أمير الشهداء" في العشرين من أبريل 1988 في مقبرة الشهداء بمخيم اليرموك في دمشق، في مسيرة حاشدة غصت بها شوارع المدينة.

عبدالعزيز الرنتيسي (أبو محمد)

وضع عبد العزيز الرنتيسي، مع رفاق له، الأسس النظرية والتنظيمية التي قامت عليها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في قطاع غزة التي عرفت ولادتها الحقيقية مع اشتعال الانتفاضة الأولى عام 1987.

كان الرجل الثاني في "حماس" مباشرة بعد الشيخ أحمد ياسين رفيق رحلته، وهو ينحدر من عائلة من قرية رنتيس، شمال غرب رام الله، اضطرت لمغادرة القرية في بداية الأربعينيات بسبب خلاف مع إحدى عائلات القرية، وبسبب حرب 1948 التي حولت العائلة إلى لاجئين في مخيم خانيونس جنوب قطاع غزة.

عمل بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في الطب من "جامعة الإسكندرية"، ثم على الماجستير، محاضراً في العلوم وعلم الوراثة وعلم الطفيليات في "الجامعة الإسلامية" في غزة منذ افتتاحها عام 1978.

"طبيب الفقراء".. بهذه الصفة كان يُعرف الرنتيسي في مخيم اللاجئين بخانيونس، وهو يقوم على خدمة الفقراء والمساكين، عرف بدماثة أخلاقه وتواضعه بين الناس.

وكان أول من اعتقل من قادة "حماس" وأبعدته سلطات الاحتلال لاحقا عام 1992 مع أكثر من 400 شخص من نشطاء وكوادر حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" إلى جنوب لبنان في منطقة "مرج الزهور"، حيث برز كناطق رسمي باسم المبعدين لإرغام الاحتلال على إعادتهم، فور عودته من الإبعاد اعتقلته قوات الاحتلال وحكم عليه بالسجن حتى أواسط عام 1997.

بلغ مجموع فترات الاعتقال التي قضاها في سجون الاحتلال سبع سنوات، إضافة إلى السنة التي قضاها مبعداً.

ارتبط بالشيخ ياسين منذ عام 1971، فعمل معه وبجواره كتلميذ ورفيق سنوات طويلة في العمل الإسلامي، وجمعهما السجن الإسرائيلي ثلاث مرات، وأسسا معاً مؤسسة "المجمع الإسلامي" عام 1975 ، وعام 1984 الجهاز الأمن والعسكري "مجد المجاهدين" ، وفي عام 1987 أسسا "حماس" برفقة خمسة آخرين.

بايعته "حماس" خليفة للشيخ ياسين بعد استشهاده عام 2004، وبعد توليه قيادة "حماس" حمل بندقية كلاشنكوف وقال: "هذا هو حوارنا مع الاحتلال وهذا هي طريقنا لتحرير الأقصى".

ويأخذ البعض على الرنتيسي تهاونه وعدم أخذه التحذيرات الأمنية بجدية كبيرة، وإصراره على التحرك لخدمة قضيته رغم تشديد قادة الاحتلال على أنه المطلوب رقم واحد لهم، وأن عملية اغتياله أضحت ضرورة أمنية واستراتيجية بالنسبة للأجهزة الإسرائيلية.

عُرف الرنتيسي بتصميمه المستمر على مجابهة الاحتلال بلغة المقاومة ، والسعي لتحرير الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وكان يردد باستمرار "لن يهدأ لي بال حتى يتم تحرير جميع الأسرى".

وبحسب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني والقيادي في "حماس" عزيز دويك، فقد تعرض الرنتيسي لعدة محاولات اغتيال، كان أولها في مرج الزهور في خيمة الإعلام حين حضر شخص يتحدث العربية ادعى أنه مترجم لصحفي ياباني، دخل الخيمة وترك حقيبة بأكملها، سمع الجميع بعدها صوت انفجار وهبوا لإطفاء الحريق وبحثوا عن الصحفي ورفيقه فلم يجدوا لهما أثراً.

وفي 16 حزيران 2003 تعرض لمحاولة اغتيال ثانية استشهد فيها اثنان من مرافقيه، وأصيب نجله أحمد بجروح خطيرة، وفي أيلول عام 2003 تعرض لمحاولة اغتيال ثالثة فشلت هي الأخرى. ثم تعرض لمحاولة اغتيال رابعة في اليوم الثالث لاستشهاد الشيخ ياسين، نجا منها أيضا ولم تكشف عنها "حماس" إلا بعد تأكيدها من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية، بيد أنه لم ينج من المحاولة الخامسة حيث قامت مروحية إسرائيلية من طراز "الأباتشي" بإطلاق ثلاثة صواريخ على سيارته في 17 نيسان عام 2004، ما أدى إلى استشهاده.

ودُفن الرنتيسي في اليوم التالي لاغتياله في مقبرة الشهداء بحي الشيخ رضوان في مدينة غزة، في مسيرة جماهيرية حاشدة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق