تهويد الخليل القديمة مسألة وقت أيضاً

29 فبراير 2020 - 09:03
عبد الناصر النجار
صوت فتح الإخباري:

في أوج الدعاية الانتخابية لأقطاب اليمين الاستيطاني الإسرائيلي وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تسارعت الخطوات الخاصة بتهويد البلدة القديمة من الخليل ومن ضمنها الحرم الإبراهيمي الشريف.
الخليل في العرف الاستيطاني هي المدينة الثانية من حيث الأهمية بعد القدس، بل هي أكثر أهمية عند بعضهم، ولهذا فقد كانت أولى بؤر المستوطنات العنصرية عقب الاحتلال، في العام ١٩٦٧، في مدينة الخليل.
ففي العام ١٩٦٨ احتل عراب الاستيطان اليهودي ليفنغر فندقاً شمال الخليل، معلناً بذلك بداية الاستيطان في أكبر تجمع فلسطيني في الضفة الغربية، بعد أقل من عامين كانت سلطات الاحتلال تقيم أول مستوطنة بحجم مدينة. ربما سبقت ذلك إقامة بعض البؤر الاستيطانية في الأغوار لكنها لم تكن مخططة على شكل مدينة، كما كان الأمر في مستوطنة «كريات أربع».
بدأت عملية الاستيطان بإقامة معسكر بقرار من موشيه ديان وزير الحرب الإسرائيلي في حينه بزعم محاولة إخراج ليفنغر والعشرات من مؤيديه من شمال الخليل لإصرارهم على الاستيلاء على البلدة القديمة بالكامل في حينه.
"كريات أربع" هي بمثابة حاضنة البؤر الاستيطانية في البلدة القديمة من الخليل وما حولها، وحتى المستوطنات التي أقيمت في المنطقة، بعد أن أقامت سلطات الاحتلال شبكة طرق خاصة تصل مركز «كريات أربع» بأطراف الاستيطانية.
في العام ١٩٧٨، استولت مجموعة من المستوطنين بقيادة ليفنغر على مدرسة الدبويا وثلاثة منازل في المنطقة، وبذلك أقيمت أول بؤرة استيطانية في الدبويا تحت اسم «بيت هداسا» وبعد العملية الفدائية في الدبويا في الثاني من أيار ١٩٨٠، شرعت سلطات الاحتلال بمجموعة من الإجراءات الاستيطانية منها هدم مجموعة من المحال التجارية المقابلة للمبنى ثم الاستيلاء على عدد آخر من المنازل.
في العام ١٩٨٣ تمدد الاستيطان في البلدة القديمة عبر الاستيلاء على مدرسة أسامة بن منقذ، التي كانت تضم مئات الطلبة الفلسطينيين وأطلق المستوطنون على البؤرة الثانية اسم "بيت رومانا" التي تبعد عن الدبويا نحو ٣٠٠ متر تقريباً.
الأخطر من ذلك هو إعادة فتح المقبرة اليهودية في تل الرميدة ودفن جثامين هناك لأنه وفق الديانة اليهودية لا يجوز نقل المقابر، وبالتالي كان هذا مجرد وتد آخر يدقه المستوطنون لتثبيت وجودهم في الخليل، حيث أعلن في العام ١٩٨٤ عن إقامة نقطة استيطانية جديدة أطلقوا عليها اسم «أبراهام افينو» في حي تل الرميدة الذي حوصر ومنع أهالي الخليل من الوصول إليه، وقصر دخوله على سكان المنازل المقامة فيه وبتصاريح خاصة. بعد ذلك نصبت مجموعة من الكرفانات على التل، وأجبر أهالي الخليل على تغيير خط سير المركبات الذي كان يمر بجانب البؤرة الاستيطانية.
وحتى تستكمل دائرة الاستيطان في المنطقة الممتدة من تل الرميدة وحتى الحرم الإبراهيمي الشريف، استولت قوات الاحتلال على محطة الباصات المركزية التي كانت تعتبر القلب النابض للمحافظة وممراً إجبارياً لمن يمر في البلدة القديمة، بحيث كانت شوارع الخليل القديمة تشهد ازدحامات شبيهة بتلك التي تحصل في القدس القديمة أيام الجمع والمناسبات الدينية.
جاءت الذروة في ٢٥ شباط ١٩٩٤ عندما أقدم الإرهابي المستوطن باروخ غولدشتاين على ارتكاب مذبحة في الحرم الإبراهيمي الشريف التي استشهد فيها ٢٥ مصلياً في فجر الجمعة ١٥ رمضان ١٤١٤ للهجرة وأصيب ١٥٠ مصلياً، حينها هبت الأراضي الفلسطينية ليرتقي ٦٠ شهيداً في الضفة والقطاع.
شكلت سلطات الاحتلال في أعقاب المذبحة لجنة لتقصي الحقائق وكانت النتيجة تقسيم الحرم الإبراهيمي زمانياً ومكانياً، وكانت هذه سابقة أكثر من خطيرة تحاول سلطات الاحتلال تطبيقها اليوم في الحرم القدسي الشريف. وقد نصت صفقة القرن على مثل هذا التقسيم في الأقصى.
بعد ذلك استولت قوات الاحتلال على كامل الدائرة ابتداء من تل الرميدة مروراً بشارع الشهداء الذي تم إغلاقه كاملاً وحتى شارع السهلة ثم سوق الخضار المركزية وانتهاء بمنطقة الحرم الإبراهيمي. ومنه صعوداً إلى جذر الاستيطان "كريات أربع".
قبل أشهر عدة أعطت حكومة الاحتلال الإذن ببناء مساكن جديدة في سوق الخضار، وبالتالي تكثيف الاستيطان الممنهج للبلدة القديمة التي أغلقت معظم محالها التجارية بسبب إجراءات الاحتلال العدوانية والحصار والاعتداءات على المارة مما جعل الأسواق الداخلية شبه مهجورة لا يدخلها إلا عدد قليل من السكان أو السياح.
زار نتنياهو البلدة القديمة من الخليل ومستوطنة كريات أربع والحرم الإبراهيمي الشريف مؤخراً وأعلن عن مجموعة إجراءات تهويدية إضافية.
ثم لحق ذلك قرارات لوزير الجيش الإسرائيلي نفتالي بينيت الذي أعطى ترخيصاً لإقامة مصعد داخل الحرم الإبراهيمي، ما يعني استيلاء شبه كامل عليه، وجعله تحت قبضة المستوطنين والاحتلال في الوقت الذي كثف فيه عدد الحواجز والبوابات الإلكترونية وأغلق الشوارع المؤدية إلى الأحياء الفلسطينية، فهناك اليوم أكثر من ٢٠ حاجزاً في البلدة القديمة من الخليل وهناك أكثر من ١٨٢٩ محلاً مغلقاً منها ٥٢٠ محلاً على امتداد شارع الشهداء.
المخطط الإسرائيلي المتكامل في نهايته سيؤدي إلى تهويد كامل البلدة القديمة وبعض الأحياء الأخرى مثل تل الرميدة وحتى مستوطنة كريات أربع التي ستصبح مجرد كتلة واحدة.
على الرغم من المحاولات الفلسطينية الحثيثة لدعم البلدة القديمة وسكانها وتجارها فإنها ما زالت دون الحد الذي يمكن من مقاومة الاستيطان وتهويد البلدة القديمة، فهل هو مجرد وقت فقط حتى يعلن الاحتلال عن تهويد البلدة القديمة بشكل كامل.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق