هذه خيارات الفلسطينيين لمواجهة خطة "صفقة القرن"

31 يناير 2020 - 09:06
صوت فتح الإخباري:

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا للصحافيين ديفيد هالبفنغر وإيزابيل كيرشنر، يقولان فيه إنه بالنسبة للرئيس الفلسطيني، الثمانيني المريض، محمود عباس، فإن العمل الذي أفنى لأجله عمره -دولة فلسطينية قابلة للعيش تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل- يفلت من يديه بسرعة.

ويشير التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن خطة الرئيس ترامب للشرق الأوسط تحرم الفلسطينيين من كل شيء ناضلوا لأجله تقريبا: القدس الشرقية عاصمة لدولتهم، وإزالة المستوطنات الفلسطينية في الضفة الغربية، وتجاور الأراضي التي يقيمون عليها دولتهم، والسيطرة على حدودهم وأمنهم، أي ما تتمتع به أي دولة ذات سيادة.

ويقول الكاتبان إنه في الوقت الذي كان يفترض دائما أنه يمكن إقامة مثل هذه الدولة من خلال المفاوضات مع الإسرائيليين، فإن سنوات الفشل، وضعف القيادة الفلسطينية، وعالما عربيا تغير كله، كلها عوامل شجعت ترامب ونتنياهو أن يحاولا فرض حل من عندهما، مشيرين إلى أن الوضع على الأرض تحول في السنوات الأخيرة، ما ترك عباس بقليل من الخيارات الجيدة.

وتجد الصحيفة أنه في ظل ردود الفعل الخافتة الصادرة عن الدول العربية الجارة، والاقتصاد الفلسطيني المترنح، وشهية الفلسطينيين الواضحة للقيام برد عنيف على أمريكا، بعد أن تخلت عن أي تظاهر بأنها وسيط أمين، فإن الاقتراح الذي كان يمكن اعتباره غريبا منذ عقد مضى، حظي بمعارضة جادة قليلة. 

ويفيد التقرير بأنه بدلا من المقاومة، فإن رد بعض الناشطين الفلسطينيين يوم الأربعاء كان هو أن تقوم السلطة بحل نفسها، وتحميل عبء إدارة 2.5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية لإسرائيل.

ويقول الكاتبان إنه "يمكن لعباس أن يقرر أن هذه هي اللحظة المناسبة للمقاومة، مثل أن يتخلى عن التنسيق الأمني الذي ساعد لفترة في حماية الإسرائيليين، ويمكنه أن يطلق العنان لحملة عنف لمحاولة الحصول على الاهتمام العالمي".

وتستدرك الصحيفة بأنه إن كان هدفه الأهم هو الحفاظ على الذات فإن الخيار الأكثر أمانا هو أن يحاول تحمل العاصفة أملا بأن يهزم ترامب في الانتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر، أو أن يهزم نتنياهو في وقت أقرب. 

ويجد التقرير أن تركيز عباس على البقاء، كما يعلم الكثير من ناقديه المحليين، سيضعه في خانة خصميه الإسرائيلي والأمريكي ذاتها، حيث يبدو أن ما يحفز كل منهما على اتخاذ أخطر قرارات الدولة هو المشكلات الشخصية والسياسية.

وينقل الكاتبان عن عضو المجلس الثوري لحركة فتح، ديمتري ديلياني، البالغ من العمر 46 عاما، الذي لا يستطيع انتظار تغير الرئيس، قوله: "أحدهم يتعامل مع محاكمة في مجلس الشيوخ، والآخر وجهت له تهم، أما عباس فقد بلغ من العمر 85 عاما.. إنه يبحث عن وسيلة للبقاء في السلطة".

وتستدرك الصحيفة بأن الفلسطينيين لو أرادوا الوقوف أمام شراكة أمريكية إسرائيلية، فإن لديهم إمكانيات محدودة لذلك.

ويورد التقرير نقلا عن الأكاديمية، يارا هواري (31 عاما)، وهي محللة مع "الشبكة"، وهي شبكة من المحللين الفلسطينيين، قولها إن خطة ترامب أصبحت قصة تحذيرية من تراجع أهمية القانون الدولي عندما يكون من يضعون القوانين غير خائفين من استغلال قوتهم، وأضافت: "فما يحصل هنا، يمكن أن يحصل في مكان آخر بسهولة.. فإن كنتم لا تهتمون بالفلسطينيين، اهتموا بأنفسكم على الأقل".

ويلفت الكاتبان إلى أن الدعوات المختلفة الصادرة عن الناشطين والمفكرين والمحللين الفلسطينيين الحريصين على نفض الغبار عن حالة القصور السائدة تبدو صيغا مختلفة للاعتراف بفشل السلطة الفلسطينية للتحول إلى دولة، مشيرين إلى أن البعض دعا السلطة إلى حل نفسها، ما سيضطر إسرائيل لتحمل تكاليف الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية والحفاظ على القانون في الضفة الغربية، ويزيل الكيان الذي يعدونه يخدم بصفته تمويها للاحتلال.

وتنقل الصحيفة عن حمادة جابر، وهو ناشط من رام الله، قوله مشيرا إلى ذكرى المحرقة في القدس، التي جذبت العشرات من قادة العالم: "لم يكن بالإمكان أن نرى 50 رئيسا ورئيس وزراء في إسرائيل الأسبوع الماضي لو تم الكشف عن أنها دولة أبارثايد.. إنها لا تزال تختبئ خلف السلطة الفلسطينية".

وينوه التقرير إلى أن طارق باكوني، البالغ من العمر 36 عاما، وهو محلل فلسطيني يعمل مع مجموعة الأزمات الدولية، حذر من أن حل السلطة الفلسطينية يجب أن يكون قرارا استراتيجيا وليس ردة فعل، وقال: "يجب أن يكون هناك بحث جاد -وليس مجرد تهديد فارغ من مكتب الرئيس- لما سيكون عليه شكل حل السلطة الفلسطينية.. فكيف يمكن إدارة الاقتصاد، وأي شكل من أشكال البنى التحتية تحتاج للإنشاء في مكانها، وكيف يمكن التوقف عن التنسيق الأمني دون تعريض الفلسطينيين للخطر أو المخاطرة بزعزعة الاستقرار؟".

ويورد الكاتبان نقلا عن ساري نسيبة، البالغ من العمر 70 عاما، والرئيس السابق لجامعة القدس، قوله إن عباس بقي غامضا، ولم يقدم سوى القليل من الأفكار حول تفكيره الحالي، وأن أحد مكامن ضعف وفشل القيادة كان "عدم تمكنها من مخاطبة الشعب بشكل منفتح وطرح أفكارها"، وأضاف نسيبة: "أنا لا أعرف أن كانوا يفكرون بعمق.. وعباس، كما يقول الناس، هو عرض مؤلف من رجل واحد". 

وتنقل الصحيفة عن هواري، قولها إنه يزيد في استبداده، "أنا أحاول ألا أقع في مصيدة الدعوة إلى أي شيء لئلا يتم اعتقالي.. لكني لا أرى مستقبلا عادلا وحرا للفلسطينيين في ظل السلطة الفلسطينية".

ويشير التقرير إلى أن عباس دعا يوم الثلاثاء لانتخابات، مثيرا الاستغراب بين ناقديه، الذين يشيرون إلى أنه دخل سنته الـ16 لما كان يفترض أن تكون فترة رئاسية مدتها أربع سنوات، لافتا إلى أن قليلا من يعتقدون أنه جاد.

ويورد الكاتبان نقلا عن عدة أشخاص، قولهم إن الفكرة الأفضل هي إجراء انتخابات لمنظمة التحرير الفلسطينية، كأسلوب لإعادة الحياة إلى المنظمة التي ينظر إليها بشكل عام على أنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، مشيرين إلى أنه مع ذلك فإن الكثير من الفلسطينيين يرون أن السلطة هي واحدة من الإنجازات الملموسة القليلة للقضية الوطنية وأنها تستحق الحفاظ عليها.

وتنقل الصحيفة عن الكاتبة والمحللة الفلسطينية، نور عودة، قولها: "شخصيا، لا أعتقد أن تسليم المفاتيح تحرك ذكي.. فإن الزعامة الإسرائيلية اليمينية الثملة بالقوة وبدعم ترامب لا يهمها (حل السلطة).. لقد بنينا هذه المؤسسات بدم وعرق أبنائنا وبناتنا. فلماذا نتخلى عنها؟".

ويورد التقرير نقلا عن الخبير الاقتصادي في التنمية ومدير مؤسسة أبحاث، رجا خالدي، قوله بأن هناك مسألة الشعور بالواجب "فلا أرى أن أي قيادة سياسية تتخلى عن مسؤوليتها التي تحملتها لثلاثين عاما وتسمح لإسرائيل بالعودة إلى ذلك الدور".

ويقول الكاتبان إنه بسبب خيبة الأمل بخصوص الدولة، خاصة شكل الدولة المطروحة حاليا، فإن الفلسطينيين يرفضون بشكل متزايد حل الدولتين، ويعملون على دولة واحدة بحقوق متساوية ومنح حق التصويت لكل من يعيشون بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.

وتنقل الصحيفة عن ناشر مجلة (This Week in Palestine)، وهي مجلة تصدر في رام الله، ساني ميو، قوله إن هذه الفكرة "غير واقعية"، وأضاف: "بالطبع لن تمنحنا إسرائيل حق التصويت". 

ويستدرك التقرير بأن هناك إجراء مباشرا يريده الفلسطينيون، وهو إنهاء التنسيق الأمني، الذي ينظرون إليه على أنه تعاون مع العدو، مشيرا إلى أن عباس قاوم هذا إلى الآن؛ وذلك لأن التعاون مع إسرائيل يبقي حركة حماس محجمة في الضفة الغربية، ما يضمن له بقاءه.

ويفيد الكاتبان بأن الإجراء الآخر الذي يحظى بالتأييد ذاته هو المصالحة الوطنية، ورأب صدع دام 13 عاما بين السلطة التي تقودها حركة فتح في الضفة الغربية، ومنافستها حركة حماس التي تسيطر على غزة، مشيرين إلى أنه كان هناك مظهر وحدة في الليلة التي أعلن فيها ترامب عن خطته، فتحدث عباس مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، لكن القليل يعتقدون أن ذلك سيسفر عن أي شيء. 

وتقول الصحيفة إن لدى القيادة مشكلة أخرى غير الفرقة، مشيرة إلى قول باكوني، من مجموعة الأزمات الدولية، إنه جلس مع مسؤولين فلسطينيين قبل الانتخابات البريطانية الشهر الماضي، الذين أعربوا عن أملهم، بعيد الاجتماع، بأن يفوز جيرمي كوربين وأن يهزم نتنياهو وأن ينتخب بيرني ساندرز رئيسا لأمريكا، وأضاف باكوني: "إن ذلك يخطئ مسألة أنك لا تدير السياق لكنك تعمل داخله".

ويلفت التقرير إلى أنه مع تعزيز إسرائيل وجودها العسكري في الضفة الغربية وعلى الحدود مع غزة يوم الأربعاء، فإنه لم تخرج أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى الشارع.

ويورد الكاتبان نقلا عن هواري، قولها إنه من الخطأ قراءة ذلك على أنه استسلام، فقد تم إضعاف حركة الشارع الفلسطينية مع الوقت، وليس فقط من الإسرائيليين، لكن بسبب قمع السلطة ذاتها؛ لأن المتظاهرين ضد الاحتلال الإسرائيلي يتظاهرون أحيانا ضد ديكتاتورية وفساد قياداتهم.

وأضافت هواري أن مئات المتظاهرين الفلسطينيين الذين قتلهم الجنود الإسرائيليون بجانب السياج الحدودي في غزة يمثلون "سابقة مروعة حقا" لكيف يمكن أن ترد إسرائيل على تحرك شعبي واسع النطاق، وتساءلت قائلة: "لو نزل آلاف منا إلى الشارع في الضفة الغربية فهل تظنون أن ذلك سيقابل بلطف؟".

وتنقل الصحيفة عن ديلياني، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، قوله إن الفلسطينيين حائرون ضد من يتظاهرون، وتساءل قائلا: "هل نتجاوز مشكلاتنا الداخلية مع عباس أولا؟ أم مع إسرائيل؟"، وأضاف: "ستسمع هذا الحوار في كل مطعم وفي كل مكان تذهب إليه، من نستهدف أولا؟ ومن علينا أن نحارب؟".

وبحسب التقرير، فإن ما يتفق عليه الفلسطينيون من الأعمار والخلفيات كلها هو فكرة البقاء على الأرض بالصمود الذي هو فعل مقاوم، مشيرا إلى قول عودة: "لن نذهب إلى أي مكان"، فمجرد وجودنا يشكل تحديا طويل الأمد لليمين الإسرائيلي وللصهيونية ذاتها.

وينقل الكاتبان عن الخبير الاقتصادي خالدي، قوله بأن الفلسطينيين بحاجة للتركيز داخليا في الوقت الذي ينتظرون فيه مجموعة ظروف أفضل، وتساءل قائلا: "كيف نعود لنكون مجتمعا واحدا؟ وماذا يمكننا أن نفعل لنجعل الناس ينشغلون في بناء حياتهم، وأمتهم، دون كونهم دولة بالضرورة؟".

وتختم "نيويورك تايمز" تقريرها بالإشارة إلى قول خالدي: "لماذا أحتاج دولة.. إن لم تعطني أكثر مما بحوزتي الآن؟".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق