لـغـتـنـا الـجـمـيـلـة (1من 2)

16 ديسمبر 2019 - 08:45
عبد الغني سلامة
صوت فتح الإخباري:

في الثامن عشر من كانون الأول 1973، قررت الجمعية العامة اعتبار اللغة العربية لغة رسمية للأمم المتحدة، إلى جانب خمس لغات أخرى (الإنجليزية، الفرنسية، الصينية، الروسية، الإسبانية)، وبذلك، صار هذا اليوم من كل عام، يوماً عالمياً للاحتفال باللغة العربية.
لا خلاف على أن العربية لغة عريقة، وجميلة، ومدهشة، وهي لغة القرآن، وبسبب ثرائها الفاحش بالكلمات، والمعاني، وقابليتها المرنة للاشتقاق، وخصائصها النحوية الفريدة.. تعتبر من بين أعذب اللغات وأخصبها للشعر والنثر والبيان الفصيح.. وللمدح والهجاء والغزل..
البعض ذهب بعيدا في تمجيد اللغة العربية وتعظيمها، فصارت "لغة راقية"، و"مقدسة"، و"لغة أهل الجنة"، و"أصل اللغات كلها"، و"أفضل وأعذب لغة".. وقبل أن نبحث إذا كانت تلك مجرد توصيفات أيديولوجية، وسياسية، قد تصل أحيانا حدود العنصرية والشوفينية.. لنبحث أولا إذا كانت تلك التوصيفات دقيقة، وصحيحة علميا وتاريخيا.
تقريبا، لا أحد ممن بالغوا في تمجيد العربية اطلع على اللغات الأخرى، فمن يدري، قد تكون الصينية أو الهندية أرق للغزل، وقد تكون الفارسية أخصب للشعر، وقد تكون الألمانية أنسب للفلسفة، وقد تكون الفرنسية أصلح للعلوم.. فكل لغة بعين أهلها هي الأجمل والأفضل.. وإذا فاضلنا بين اللغات، فإلى أي المعايير سنحتكم؟ ومن ذا الذي سيقرر؟ وعلى أي أساس سنبني حكمنا؟
في العالم حاليا، لدينا نحو خمسة آلاف لغة، يمكن اختزالها إلى عشرين مجموعة لغوية.. وبحسب النظرية السائدة، فإن كل مجموعة لغوية واحدة انحدرت من لغة واحدة هي الأقدم.. ولكن، هل هذه الفرضية صحيحة؟ أي هل جميع اللغات تعود إلى سلف واحد مشترك؟
يزعم البعض أن اللغة السامية هي الأصل الذي انبثقت عنه بقية اللغات.. ويزعم آخرون الآرية المفقودة (الهندوأوروبية) هي أصل اللغات.. وهناك فرضيات أخرى تقول إن اللغة الأم هي السريانية، أو العربية.. وبما أن اللغة الأم يجب أن تكون لأقدم الحضارات، يرى البعض أنّ البابلية أو السومرية هي اللغة الأم للبشرية.
بحسب علماء البيولوجي والأنثروبولوجي، فإن أصل الإنسان بدأ من إفريقيا، قبل نحو 200 ألف سنة، وهؤلاء البشر لم يغادروا إفريقيا إلا قبل نحو مائة ألف سنة، بعد أن عبروا باب المندب (وفي رواية أخرى من سيناء إلى فلسطين) ومن هناك انتشروا في ربوع الأرض.. وإذا اعتبرنا أن تطور اللغة وتشعباتها سارا جنبا إلى جنب مع التطور السكاني (بآليات مختلفة)، فهذا يعني أنّ كل مجموعة بشرية استقرت في موقع جغرافي امتلكت لغتها الخاصة، أي أن عددا من اللغات بدأت ونمت في مرحلة تاريخية واحدة في نفس الوقت.. وكل مجموعة سكانية انشقت عن المجموعة الأم، وتباعدت عنها في السكنى صار لها لهجتها الخاصة، ثم وبمرور الوقت، بدأت تلك اللهجات في التمايز تدريجيًّا حتى تحولت إلى لغات جديدة، لتتفرع عنها لهجات، وهكذا دواليك.. خاصة وأنه لكل منطقة مكوناتها المختلفة، وهذا يتطلب إطلاق تسميات ومعان جديدة على تلك المكونات.. وقد ترتبط اللغات الجديدة بعضها ببعض عبر الكلمات أو الأصوات أو البُنَى النحوية المشتركة.
وبحسب الآثار الأركيولوجية عثر العلماء على مسلات ونقوش بابلية وأشورية وسومرية تعود إلى 3500 سنة قبل الميلاد، كما وجدت سجلات مكتوبة باللغة الصينية ترجع إلى 3500 سنة ق. م. كما وجدت سجلات بالهيروغليفية المصرية ترجع إلى 2200 سنة ق.م. وهناك مخطوطات قمران باللغة العبرانية تعود إلى القرنين الأول والثاني قبل الميلاد، وثمة نقوش بالحميرية تعود إلى 800 سنة ق. م، ويؤكد علماء اللغة أن الآرامية تكونت نحو 800 سنة ق. م، والفينيقية نحو 700 سنة ق. م.. أما اللغة العربية فقد تكونت بدءا من القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد.. أي أنها الأحدث بين كل لغات المنطقة.. دون أن ننسى أصول اللغات الإفريقية واللاتينية والآسيوية، ولغات حضارات الأميركيتين، والأبورجينيز في أستراليا.. والتي تعود لآلاف السنين.
وبما أن اللغة العربية لغة العرب، فمن المستحيل الفصل بين كيفية نشوء العرب كأمة، وبين نشوء العربية كلغة.. تاريخيا، كانت النواة التي انبثقت عنها الأمة العربية قد تشكلت بداية في جزيرة العرب؛ قبائل متناثرة بدأت تمتزج مع الحضارة الحميرية.. ومع تعقد البنية الأنثروبولوجية في شبه الجزيرة، بدأ العرب يمتلكون الخصائص والسمات التي ميزتهم كأمة لها شخصيتها المنفردة، وتحديدا في القرون القليلة التي سبقت الإسلام.
قبل الإسلام لم يكن التاريخ قد لامس الجزيرة إلا قليلا، ولم تكن الحضارة في أبعادها الراقية قد اقتحمتها؛ فالحضارة مست الأطراف: في الجنوب (اليمن)، وفي الشرق (الحيرة)، وفي الشمال (ثمود، الأنباط، تدمر..) وكل هذا زال وانقضى في عصر النبي، وقبله بقليل (هشام جعيط).
قبل الإسلام بعدة قرون، أخذت إرهاصات ومقدمات نشوء العرب بالتبلور والنضوج، والتراكم، حتى غدت القبائل مهيأة لبناء إطارها المادي والجغرافي واستكمال عناصر توحدها. وقبل انتهاء القرن السادس الميلادي كانت كافة الظروف الموضوعية والذاتية قد تهيأت لاستقبال القادم الجديد، وقد نضجت الإرهاصات التاريخية لبدء عملية تحول القبائل البدوية إلى أمة.
فتمكن الإسلام من توحيد القبائل، بل وبسط نفوذه على كامل الجزيرة، وبعد الفتح العربي الإسلامي وانتشاره شرقا وغربا بدأت على مدى قرنين تقريبا عملية استيعاب وصهر الثقافات والحضارات والإثنيات التي كانت سائدة آنذاك: بقايا الأشورية، والكلدانية، والآرامية، والفينيقية، والفرعونية، والأمازيغية، وبدرجة كبيرة الكردية.. فتوحدت لغويا، ودينيا، وثقافيا، خاصة بعد أن حكمها الأمويون والعباسيون والفاطميون.. ولا شك أن العربية أثرت وتأثرت (لغويا وثقافيا) بالأقوام التي حكمتها طوال القرون التالية.. بيد أن المناطق الأخرى (خارج ما يعرف بالوطن العربي حاليا) دخلت في الإسلام، لكنها حافظت على لغاتها الخاصة.
ما يعني أن اللغة العربية نشأت بحدود القرنين الثالث والرابع الميلادي، وآدابها (الشعر والسجع) ظهرت في القرنين الخامس والسادس ميلادي، ثم نضجت في القرن السادس.. ثم استكملت بناءها وتوحدها في العصرين الأموي والعباسي (تنقيط وتشكيل اللغة، ونشوء علم النحو)، وقبل ذلك يصعب العثور على دلائل تشير إلى وجود لغة وآداب وحضارة عربية.
ما هو أصل العربية، وما تصنيفها بين اللغات؟ وكيف سيكون مستقبلها؟ موضوعنا القادم.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق