تآكل القوة الناعمة للفلسطينيين...!!

15 ديسمبر 2019 - 07:43
أكرم عطا الله
صوت فتح الإخباري:

بالخسارة المدوية لحزب العمال في بريطانيا فقد الفلسطينيون شعاعاً من الأمل كان يتراءى لهم وسط ظلام السياسة الذي أطبق حولهم بعد مجموعة من القرارات الدولية ضدهم، بدءاً من قرارات البيت الأبيض مروراً بالبرلمان الألماني وانتهاء بتصويت الجمعية الفرنسية، وبينما كانت لندن تقف بعيدة عن كل هذا مشغولة بنفسها وبالولادة المتعسرة لإخراج الدولة من الاتحاد الأوروبي، انتهت تلك الحكاية بفوز الحزب المحافظ، والذي من المتوقع أن يلتحق بالركب الدولي بتوجهات في غير صالح الفلسطينيين.
المناخ الدولي يزداد برودة حد الصقيع السياسي الذي لم تشهده القضية في أشد مراحلها حلكة، وكل الانجازات الدبلوماسية التي تحققت في عقد أو عهد أوباما آخذة في التبدد والانكماش، والفعل الفلسطيني بالمقابل لم يعد قادراً على ملاحقة تلك التطورات، ليس فقط بسبب التبدلات الكونية بل أيضاً بسبب غياب المؤسسة وانشغال الفلسطينيين بذاتهم والاحتراق الداخلي الذي أحدث كل تلك الهشاشة للموقف السياسي، ولغياب الفعل السياسي والدبلوماسي الذي تتطلبه اللحظة الحرجة.
الفلسطينيون ليسوا مسؤولين عن خسارة صديق مفترض في السياسة البريطانية. فسياسة حزب العمال وزعيمه جيرمي كوربين، والشعارات التي رفعها وعدم فهم رغبات المواطن البريطاني، وضبابية الموقف من الخروج من الاتحاد الأوروبي، كل تلك العوامل كان لها الدور الأبرز، ولكن لا يمكن نسيان الفعل الاسرائيلي الذي شن حملة كبيرة ضد الرجل، وبالمقابل غياب الفعل الفلسطيني وكذلك العربي.
الفلسطينيون موجودون في بريطانيا، لكن تغيب عنهم روح الاجتهاد لصالح قضيتهم فيما تغلب عليهم صراعات الداخل، فالتناحر هو السمة السائدة والفعل غير المشترك والمشتت هو الغالب بينهم، ومناخات العمل أبسط كثيراً من أن تؤثر في سياق السياسة أو تصنع حلفاء ومؤيدين، كما تصنع مجموعات الضغط الأخرى.
القضية الفلسطينية أمام تحديات صعبة بعد كل تلك التطورات الدولية، ليس فقط لأن العالم يأخذ منحى مختلفا عن روح عملية التسوية التي وقعت قبل ربع قرن، بل أيضاً لأن المحيط العربي أيضاً يذهب باتجاهات مغايرة تبدو كأنها تسير بشكل مخالف يتم فيه شراء صمت الفلسطينيين، سواء بشكل مباشر أو على شكل تمويل للأونروا، وتلك واحدة من الأزمات التي تحول فيها ما كان يفترض أنه العمق الاستراتيجي الى واحد من عوامل إضعاف الفلسطينيين.
والأخطر في الأمر أن تلك التطورات السياسية شديدة السواد تأتي مترافقة مع تغيرات على الأرض يرسمها الاسرائيلي بحرفية عالية، مستغلاً أميّة سياسية أصبحت جزءا من الواقع الفلسطيني، وأيضاً غريزة الحكم والسلطة التي تسود المشهد الفلسطيني وأوقعته في كل تلك الحفر التي وقع بها. وهنا فإن ما حدث ويحدث في القدس والاستيطان والغور يقابله الفعل الأشد في غزة من سلخ وترسيخ للانفصال، وهو ما كان نتنياهو شديد الوضوح في الاعتراف به عندما قال في لشبونة الأسبوع الماضي أن التهدئة قيد التحقيق في غزة ستمنع وحدة الضفة وغزة.
منذ سنوات يزاحم الفلسطينيون أنفسهم على كل شيء، مستغلين ما يملك كل منهم من قوة ورباط خيل ونفوذ ووسائل اعلام أهدرت نفسها وهي تصارع نفسها وتعطي فائض جهدها القليل جداً على الموضوع الوطني، منذ سنوات يتصارع الفلسطينيون ضد أنفسهم الى الدرجة التي أساءت كثيراً للمشهد العام للقضية، أو بمعنى أكثر دقة للقوة الناعمة التي كان يتمتع بها الفلسطينيون عندما كانوا أكثر قدسية بنظر العالم، وكأننا ننكشف الآن لنفقد هيبتنا لتأتي تلك القرارات أو لنساهم بصياغة تلك الأجواء السلبية، فالكل يتخذ ما يشاء من مواقف من عرب وعجم دون أن يأبه بأهل القضية.
لم تكن القوة الخشنة هي العامل الرئيسي في تطور القضية الفلسطينية، بل إن هناك عوامل أخرى هي التي كانت تشكل الدوافع الحقيقية، منها الأداء الفلسطيني، والشعب الفلسطيني، والفعل الفلسطيني، ناهيك عن تطور الديمغرافيا في فلسطين وغيرها، تلك عوامل ساهمت في تغيير الاتجاهات السياسية ووصول القضية الى محطة كان يراهن ياسر عرفات أنها ستفضي نحو الحلم، ولكن بعد أن حكم الفلسطيني نفسه وانشغل يصارع ذاته في العقد ونصف الأخيرين تآكل كثير من تلك العوامل أو عناصر القوة ليجد نفسه عارياً أمام القرارات الدولية.
الفلسطينيون بحاجة الى اعادة الاعتبار لأنفسهم أولاً وقبل كل شيء. فما تحطم من الصورة يحتاج الى الكثير من الفعل وتلك أولى المهمات التي يجب أن تشغلهم الآن وسط الاقرار بصعوبة العمل في الظروف الدولية الحالية. يجب الالتفات للداخل الفلسطيني واعادة ترميمه، فالشكل القائم وللحقيقة المرة لن يتمكن من مواجهة الضربات المتتالية بل يزيدها قوة، الفلسطينيون بحاجة الى بناء القوة الناعمة من جديد، بحاجة الى بناء المؤسسة والحكم والقضاء والعلاقات الداخلية، لم يفت الأوان على ذلك،  اسرائيل تسحب غزة باتجاه آخر، ولكن الارادة الفلسطينية التي تجسدت على امتداد عقود قادرة اذا قررت أن تفعل الكثير، فالشعب الذي أقام نظاماً سياسياً في الستينات من العدم قادر على الوقوف مرة أخرى وهو على أرضه، فالمهمة أسهل، المهم أن تكون هناك ارادة.
تلك الفكرة تكررت كثيراً لأن الوضع الفلسطيني يتسمر عند عتبتها، وحين تتكرر الفكرة بانتظام تكون بنت الضرورة، وحين تتكرر بلا تغيير يذكر أو تغيير للأسوأ يكون الاحتجاج على قضائها وقدرها شيء من العدم أو يشبه الاحتجاج على الهرم أو الموت. لا نريد الذهاب لهذا السياق لأن الشعب الفلسطيني اعتاد على اختراع لحظته، لكن الواقع صعب ولا يحتمل مزيدا من الترف.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق