"إسرائيل اليوم"مـا بـعـد انـهـيـار فـكـرة الـدولـة الـفـلـسـطـيـنـيـة

10 ديسمبر 2019 - 09:25
صوت فتح الإخباري:

بقلم: إيال زيسر
إن الاعتراف التاريخي الذي منحته إدارة الرئيس ترامب للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي في يهودا والسامرة هو مسمار آخر وربما أخير في نعش فكرة الدولة الفلسطينية.      
لقد كان في إسرائيل مَن سعى إلى التشكيك بالدوافع وبالأساس الاستخفاف بمعنى إعلان وزير الخارجية مايك بومبيو أن يهودا والسامرة ليستا أرضاً محتلة وبالتالي فإن البلدات الإسرائيلية التي أقيمت فيها لا تنتهك القانون الدولي. ولكن بقيت على حالها حقيقة أن الولايات المتحدة، القوة العالمية التي تحوز المفتاح لكل خطوة في الساحة الدولية وبالتأكيد الساحة الإقليمية، سحبت دفعة واحدة البساط من تحت محاولة الفلسطينيين بعيدة السنين، بمساعدة الكثير من دول العالم، إجبار إسرائيل على الاستجابة للمطلب الفلسطيني بالانسحاب إلى حدود 1967 والسماح بإقامة دولة فلسطينية.
مثلما في قرار الإدارة الأميركية الاعتراف بالقدس كعاصمة إسرائيل لم تسع إلى أن تفرض أو تخلق واقعاً من العدم، بل اعترفت بالإجمال بالواقع القائم على الأرض، وبتعبير آخر اعترفت بأن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي اجتاز منذ زمن بعيد نقطة اللاعودة. أما حقيقة أن تصريح بومبيو استقبل بالصمت وفي أقصى الأحوال بشجب هزيل من جانب "المشبوهين المعتادين"، وعلى رأسهم الفلسطينيون، الدول العربية وبضع دول أوروبية، فتدل على أنه في العالم أيضاً بات الكثيرون يسلمون بحقيقة أن حل الدولتين موضع شك ويحتمل أن يكون أصبح غير واقعي.
قبل ربع قرن فقط، مع التوقيع على اتفاق أوسلو، كان الفلسطينيون قريبون مسافة لمسة من إقامة دولة في معظم إن لم يكن في كل الأرض التي سيطرت عليها إسرائيل في حرب الأيام الستة. غير أنه في لحظة الحقيقة اختاروا العنف كي يصلوا إلى الخط النهائي، وهذا الطريق أعادهم إلى الوراء مسافة سنوات جيل. أما اليوم فتوجد الحركة الوطنية الفلسطينية في إحدى الأزمات الأشد التي شهدتها، وليس في يديها جواب على التحدي الذي تقف أمامه، وعلى أي حال أيضاً ليس الجواب على قرار الولايات المتحدة مثلما على إجراءات إسرائيل أيضاً.
ولكن التحدي الذي تقف أمامه الحركة الفلسطينية لا يوجد بالضرورة في أروقة الأمم المتحدة أو في واشنطن بل بالذات في أوساط الجمهور الفلسطيني نفسه. فالشباب الفلسطيني وإن كانوا يواصلون الإعراب عن التزامهم التام بفكرة الدولة الفلسطينية، إلا أنهم يصوتون بالأرجل في صالح الاندماج في دولة إسرائيل. هكذا في شرق القدس حيث يسعى الجميع إلى الاندماج في نسيج الحياة الإسرائيلية بل وفي المستقبل سيطلبون المواطنة الإسرائيلية، وكذا أيضاً في أجزاء أخرى من يهودا والسامرة.
ظاهراً، يدور الحديث عن إنجاز إسرائيلي من الدرجة الأولى، وعلى الأقل من زاوية نظر الحكومة الحالية. ولكن ينبغي الاعتراف بأن هذا الواقع يضع تحدياً حقيقياً أمام إسرائيل. فحتى اليوم عارض الكثيرون في إسرائيل، في الحكومة وفي الجمهور فكرة إقامة دولة فلسطينية، ولكنهم امتنعوا في نفس الوقت عن عرض فكرة بديلة لفكرة الدولتين وفضلوا تأجيل كل بحث في المسألة إلى المستقبل البعيد، هذا إذا كان البحث وارداً على الإطلاق.
غير أن المستقبل بات هنا. في ضوء انهيار فكرة الدولة الفلسطينية، على إسرائيل أن تصحو وأن تبلور سياسة تسمح لها بمواصلة الحفاظ على هويتها كدولة يهودية وديمقراطية. بعد كل شيء، لن يبعد اليوم الذي تطرح فيها الجماعة الأهلية الفلسطينية، ولكن قبل ذلك أيضاً الفلسطينيون أنفسهم، مطلب حل الدولة الواحدة. وفي واقع الأمر، حتى من دون مثل هذا المطلب، تصبح هذه الفكرة رويداً رويداً حقيقة على الأرض. على إسرائيل ملقي الواجب في البحث عن حل ابداعي لهذا الواقع الجديد، وإذا ما انطلقنا إلى انتخابات جديدة، فمن الأفضل أن تكون هذه المسألة أيضاً على جدول أعمال المرشحين.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق