التقديم لمقالات اليوم السابع (2-2)

10 ديسمبر 2019 - 08:23
حسن خضر
صوت فتح الإخباري:

استثنينا كل ما أعاد محمود درويش نشره في مجموعات شعرية، وكتب نثرية، وما نُشر في "الكرمل"، من إعادة النشر، في الكتاب، مع استثناءات قليلة غالباً ما أعاد البعض نشرها، أو نشر مقاطع منها، بأخطاء مطبعية كثيرة، ودون الالتزام بالمصدر الأصلي والتاريخ، ولا التنويه بسياقها السياسي والثقافي العام، كما حرصنا على تذييل المقالات بهوامش توضيحية لتفسير بعض الأحداث، أو التعريف ببعض الأسماء الواردة في المتن، وفي الذهن أن تلك النصوص كُتبت لجيل آخر في فلسطين والعالم العربي، وأن ثمة مسافة زمنية شاسعة نسبياً تفصل قرّاء اليوم عن الحدث، وإن بعض الأسماء المذكورة، حتى وإن بدت للوهلة الأولى مألوفة، إلا أنها تستدعي قدراً من التعريف والتأطير في إطار زمني محدد.
ولأسباب تتعلّق بالمساحة، ووحدة الموضوع، فقد ارتأينا نشر ما يتعلّق بما انعكس على صفحة عين الرائي من مشاهد وتداعيات وثيقة الصلة بأحداث فلسطينية عالية الصدى بين دفتي كتاب يتكوّن من ثلاثة أقسام تُميّزها ثلاثة عناوين مختلفة يقوم كل منها مقام العتبة، أو المدخل، لعدد من النصوص التي يجمع بينها معادل موضوعي واحد، يواظب على الحضور والتكرار، حتى وإن تباعدت المساحة الزمنية بين نص وآخر.
لذا، اخترنا للأوّل عنوان "فضاء الآخر"، أي هوية وماهية إسرائيل كدولة، والصهيونية كأيديولوجيا سياسية، وأوهام واستيهامات ثقافية، وكلاهما كان هاجساً معرفيا، وسياسياً، رافق محمود درويش على مدار ستة عقود من الزمن، منذ صدمة النكبة، التي عاشها طفلاً، في العام 1948، حتى أيامه الأخيرة في عام 2008.
وإذا كان لهذا كله تجليات يصعب حصرها في مُنجزه الشعري، وسيرته الوطنية، وخياراته وتحيّزاته السياسية، فإن هذا كله يحضر، أيضاً، في النصوص المنشورة تحت هذا العنوان، والتي كُتبت في عشرية الثمانينيات من القرن الماضي، أي في الفترة التي شهدت بداية اتصالات، سرعان ما اتسعت، بين منظمة التحرير الفلسطينية، وممثلي "معسكر السلام" في إسرائيل، وأملت عليه مكانته الرمزية، والسياسية، ضرورة المشاركة في بعض تلك اللقاءات، خاصة بعدما حاولت الحكومة الإسرائيلية منعها بكل طريقة ممكنة، بما في ذلك سن قانون خاص يُجرّم المشاركين فيها من الإسرائيليين.
ولعل أبرز ما يستدعي التنويه، في هذا السياق، أن ما أسميناه بالهاجس المعرفي والسياسي لم يكن إشباعاً لنزعة ثقافية عامة، وحسب، بل كان إدراكاً واعياً، من جانبه، لحقيقة أن "مَنْ يكتب حكايته يرث أرض الحكاية"، أيضاً.
وفي هذا ما يُفسِّر فاعلية الكتابة عن "الآخر"، في هذه المقالات، بوصفها نوعاً من قواعد الاشتباك. وهذا ما يمكن العثور عليه، والتحقق منه، في معالجات شعرية ونثرية كثيرة احتلت جانباً كبيراً في كل نشاطه الكتابي، وتجلّت بوصفها هماً من هموم مجلة "الكرمل" الثقافية والفكرية.
وللحفاظ على لياقة ذهنية ومعرفية دائمة، لم يكف محمود درويش عن ملاحقة ما يصدر عن الإسرائيليين من كتابات في حقول مختلفة، لم تنحصر، بالضرورة، في الأدب. وكان من عاداته اليومية، بعد العودة والإقامة في رام الله، الحرص على قراءة جريدة هآرتس الإسرائيلية.
وبهذا المعنى، فإن للنصوص المنشورة، هنا، فائدة مزدوجة: للباحث في البطانة السياسية والمعرفية لمُنجز محمود درويش الإبداعي، والباحث في تجليات الموقف النقدي من إسرائيل، والصهيونية، ومسألة العداء للسامية، وهوية وماهية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، في خطاب الثقافة الوطنية الفلسطينية، التي كان من أبلغ وأبرز ممثليها على مدار عقود طويلة.
أما القسم الثاني، الذي عنوناه بـ "كتاب المراثي" فيضم نصوصاً كتبها في وداع شخصيات فنيّة وثقافية وسياسية فلسطينية وعربية، عرفها عن قرب، وفارقت الحياة خلال الفترة الزمنية لكتابة مقالته الأسبوعية في "اليوم السابع".
 والمُلاحظ في هذه النصوص علاوة على الوجع الإنساني الناجم عن الفقدان، وعن رسم صورة تقريبية للغائبين وإسهامهم في حقول برزوا فيها، أن الصورة التقريبية تتعالى على المديح المجاني، وتجتهد في الالتزام بالموضوعية، التي تستدعي أحياناً مقاربة مختلفة، وحتى التعبير عن الاختلاف، في جوانب بعينها أيضاً.
وهي، بهذا المعنى، مفيدة للباحث في السير الأدبية والفكرية والسياسية لهؤلاء، ففي كل "رسالة وداع" كتبها محمود درويش تتجلى محاولة، من جانبه، لتعيين مفتاح خاص، وفريد، يفتح باب السيرة للعثور على ما وسم صاحبها من خصوصية، لا في سياق العلاقة الشخصية بين الاثنين وحسب، ولكن في سياق مكان ومكانة الراحل في الحقل العام، أيضاً.
وأبرز ما في محاولة كهذه أن "الرثاء" يتجلى كعاطفة عائلية، تماماً، فالكتّاب، والشعراء، ورموز الحركة الوطنية، هم في المقام الأوّل رفاق طريق من عائلة واحدة هي عائلته بالمعنى الكبير للكلمة. لذا، يقترن البحث عن مفتاح للخصوصية بقدر كبير من الاحترام، وتسكنه العاطفة.
وبهذا المعنى، أيضاً، فإن في هذه النصوص ما يُمكّن الباحث في شعر محمود درويش وحياته، وكذلك القارئ العام، من تكوين فهم أفضل لعلاقته بمجايليه، واكتشاف أبعاد وقرائن إضافية تتجلى فيها ذائقته الأدبية والشعرية، بشكل خاص، وحساسيته السياسية، أيضاً، في زمان ومكان محددين.
وفي القسم الثاني، أيضاً، رسالة وداع فريدة كتبها الابن لأبيه، الذي رحل والابن في المنفى. وما يستحق التنويه، استناداً إلى مُنجز محمود درويش الشعري، ونصوصه النثرية، وإلى معرفة شخصية عن قرب، أن الأب يحتل مكانة مركزية، في عالمه، لا تقل أهمية ودلالة عن مكانة الأم، التي كرّستها في المخيال العام قصيدة تحوّلت إلى أغنية شائعة.
وبقدر ما تعلّق الأمر بالقسم الثالث، الذي عنوناه بـ "سهم في الخاصرة" فإن المعادل الموضوعي في أغلب النصوص يتمثل في صراع البقاء، والدفاع عن وحدانية التمثيل، وإرادة البقاء على قيد السياسة والحياة، أي كل الجبهات والساحات التي قاتلت فيها، وعليها، منظمة التحرير الفلسطينية، في ذلك الوقت، وكان السمة الرئيسة لعشرية الثمانينيات.
أصبح الكثير من أحداث تلك الفترة جزءاً من الماضي، الآن. وربما تراكم عليها قليل أو كثير من غبار الزمن، ولكن النصوص التي كتبها محمود درويش، في ذلك الزمن، وقرعت في حينها الجرس، تصلح في الوقت الحاضر "ذاكرة للنسيان"، بقدر ما يتجلى فيها من محاولة للقبض على معنى الراهن، آنذاك، وما انطوى عليه من راهنات بدت مصيرية في حينها، ولم يفقد الكثير مما تجلى فيها من دلالات، أبعد من الحدث نفسه، صلته بالحاضر.
وإذا جاز تشخيص ما يسكنها من مُعادل موضوعي، فإن أصداء صرخة من نوع "يا وحدنا"، التي أطلقها محمود درويش، في زمن حصار بيروت 1982، تتردد في نصوص كثيرة، وتجد ما يُفسّرها ويبررها في مذبحة تل الزعتر، وحرب المخيّمات. وهذا كله معطوف على ما يبدو وكأنه قدر الفلسطيني: أن يرسم حدود حريته بدمه، وأن يجترح من علاقته الخاصة بالوطن معجزة البقاء، التي تجد ما يستحق المديح بقدر ما فيها من بساطة اليومي، والعابر، وكفاءة البقاء على قيد الحرية والحياة.
ولكل من هذه الدلالات أهمية فائقة في الوقت الحاضر، الذي شهد، ويشهد، انكسارات كثيرة، ففيها ما يُذكّر جيل الشباب من الفلسطينيين والعرب أن آباءهم اجتازوا مآزق كثيرة، وفتحوا أكثر من كوّة للضوء، في زمن يتعالى على النسيان. لذا، تحظى الانتفاضة الأولى، في الأرض المحتلة، بمكانة خاصة في هذه المقالات.
وبالقدر نفسه، في هذا النصوص ما يمكّن الباحث في صراع الوطنيين الفلسطينيين من أجل البقاء، وفي طريقة تفكيرهم في تداخل العلاقة بين الوطني والقومي، ومعاني الوحدة الوطنية، ووحدانية التمثيل، ومشاكل وإشكاليات عقد الثمانينيات، العثور على تجلياتها في زمان ومكان محددين، لا في صيغة بيانات، ومواقف رسمية، بل في نصوص محمود درويش الصوت الأكثر تعبيراً ونفوذاً في صياغة معنى حضور شعبه في الزمان والمكان، وأحد كبار مهندسي الهوية، وصنّاع الخطاب العام. وبهذا المعنى، تشكّل النصوص، المنشورة في هذا الكتاب، جزءاً من الذاكرة الوطنية، وحمولتها السياسية والثقافية في آن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*من تقديم كتاب "محمود درويش: مقالات اليوم السابع" الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تشرين الثاني 2019

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق