"روايات حية" لهروب الشباب من غزة

08 نوفمبر 2019 - 12:42
صوت فتح الإخباري:

 ابتسام مهدي: "منذ صغري وأنا أستمع لقصص والدي، كيف كان يقفز عبر السياج الفاصل، بين قطاع غزة وإسرائيل، فكل احتياجه هو سلم صعود، من أجل أن يعمل عدة شهور في القرى القريبة بالشطر الثاني من الوطن، ومن ثم يعود الى غزة".

 بهذه العبارات بدأ الشاب (م،ح) حديثه قائلاً: "كان والدي يعمل داخل الإسرائيلي، حيث كان يهرب هو وأصدقائه بهذه الوسيلة، عندما تقوم إسرائيل بإقفال المعابر، لذا قررت أن أجرب هذا الطريق ،على أمل أن أجد عمل يحسن وضعي، وأكون مستقبلي".

 لم تكن الأمور بهذه السهولة، فبعد أن استطاع الشاب ذات ال23 عامًا اجتياز السياج الأمني، وخلال دقائق من عبوره للطرف الآخر من الحدود، أحاطه الجيش الإسرائيلي من كل جانب، "كان الموقف صعبًا وحاولت أن أهرب، ولم أستطع خوفاً من اطلاق النار".

وأضاف خلال حديثه لـ"أمد للإعلام": " اقتادوني إلى جهة لم أعلم عنوانها، بعد تغطية رأسي، وربط يدي للخلف، حيث تم التحقيق معي عدة مرات، وبعد مرور أكثر من يوم تم إعادتي لقطاع غزة، وبعدها احتجزتني الأجهزة الأمنية بغزة بشكل مباشر".

مر الشاب (م،ح) بأيام عصيبة تعرض فيها للكثير من الإجراءات التي اعتبرها ظالمة، لاسيما محاولة وزارة الداخلية الحصول على أي معلومة تثبت تورطه بأي قضية أمنية، أو يكون قد وقع في وحل العمالة للاحتلال، خلال فترة توقيفه عند الاحتلال.

وإذ يعتبر ما حدث معه مبالغ به، حيث تعرض حينها للسجن لدى اجهزة أمن غزة لمدة سبعة شهور خضع خلالهم للتحقيق بكافة اشكاله النفسي والجسدي.

و لم يقف الأمر عند هذا الحال، بل أصبح المجتمع يتخوف منه وخاصة بعد أن تم محاكمته وإصدار حكم بالسجن سبعة شهور، وهي المدة التي قضاها داخل مركز التحقيق.

وينوه المواطن (م،ح)، إلى أنه يتعرض حاليا بين فترة وضحاها إلى الاستدعاء الأمني، والتحقيق معه تحت حجة الاشتباه به، معللاً الاسباب التي دفعته للتوجه الى هذه الطريقة، برغم خطورتها أن "واقع غزة مرير، وعدم توفر فرص عمل، فكان اختياره خطة التسلل بهدف العمل داخل الاراضي المحتلة، كونها أقل تكلفة عليه من التوجه لطريق الهجرة إلى بلد أخرى مثل باقي الغزيين المهاجرين.

ووفق عدد من المتابعين في الفترة الأخيرة، حيث زاد بشكل ملحوظ عدد عمليات التسلل للجانب الإسرائيلي لشباب في مقتبل العمر، اغلبهم يبحث عن حياة جديدة، هربًا من الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي يعيشها سكان قطاع.

وبحسب متابعة إذاعة صوت الشعب المحلية في غزة، عبر مواكبة مراسلها (محمود اللوح ) ، فقد بين أنه وبجانب عدد من الصحفيين سجلوا أكثر من 150 محاولة تسلل لشباب تتراوح أعمارهم ما بين 18 عام إلى 25 عام خلال العام.

ويشير الزميل اللوح إلى أنه، في يوم 29 كانون الأول/ من هذا العام، تم تسجيل خلال أربعة وعشرين ساعة 6 محاولات تسلل لدي 10 شباب من الجانب الفلسطيني إلى الأراضي المحتلة، وقد تم اعتقال عدد من قبل الأجهزة الأمنية في غزة قبل عبورهم السياج وأخرين تم اعتقالهم من قبل جيش الاحتلال وهناك شاب أصيب خلال عملية التسلل.

ومن هنا نطلق ناقوس الخطر، من تبيعات هذه المحاولات، والأسباب التي أدت إلى حدوث ذلك، بطريقة شبه يومية، إلا أن البعض لا يعتبرها ظاهرة، ولكن هناك مشكلة كبيرة يجب الالتفات لها.

"أمد"، حاول التواصل مع وزارة الداخلية للتعقيب على هذه القضية، إلا أنها نفت دقة عدد الأرقام، واعتبرتها غير دقيقة، ورفضت توضيح أي معلومة حول القضية في هذا التوقيت، ويمكن فتح هذا الموضوع خلال الفترة القادمة دون تعليل السبب.

ومع تكرار محاولات التسلل  وخلو القانون من نص يجرم هذا الفعل، ولخطورتها، كان لزاما على القضاء العسكري كونه الجهة التي تصدر الاحكام، اتخاذ خطوات للقضاء على هذا الأمر، وفق المستشار في القضاء العسكري رامي عاشور، فقد تم التوضيح من خلاله أن الحدود تعتبر منطقة عسكرية مغلقة.

وقال القاضي عاشور خلال حديثه لــ"أمد للإعلام":" كذلك يتم استجواب المتهمين بوصف مخالفة اوامر مشروعة خلافا، لمادة الاتهام ١٤٢ من قانون العقوبات العام ١٩٣٦"، وبذلك أصبح هناك قانون يحاكم عليه من يحاول التسلل عبر الحدود.

وبين أن "من يتم القبض عليه من قبل الأجهزة الأمنية خلال عملية التسلل أو بعد عودته يوقف، ويستجوب في الحال، وتتخذ بحقة كل الإجراءات المنصوص عليها قانونيا في تحريك الدعوى الجزائية مع مراعاة كافة الحقوق والمزايا والضمانات المقرة قانونًا للمتهم".

 وعن الحكم الذي يصدر بحقهم، أكد أن العقوبة تتراوح تقريبا ما بين 3 شهور إلى سنة، منوها إلى أن أغلب من يتم محاكمته حتى اليوم لم يتجاوز السنة.

وحول أسباب توجه الشباب للحدود، أوضح عاشور، أن "أغلب من يتوجه للحدود من هذه الفئة والذين تتراوح أعمارهم ما بين١٦ عام و٢٥ عام، هم يبحثون عن استقرار مادي أو عمل، وأخرين يهربون من الضغوطات الاقتصادية المفروضة على قطاع غزة".

  وأضاف:" أن الهدف من العقاب لمثل هذه الجرائم هو تحقيق الردع العام والخاص، وفق محاكمة ناجزة وليس الهدف كسر المتهم، ورميه في غياهب السجون وإجراءات، مثلما يعتقد هؤلاء الشباب".

وأشار عاشور إلى أن كثيرًا ما تكون إجراءات محاكمة المتسللين سرية، حفاظاً على الصالح العام والنسيج المجتمعي.

وفي ذات السياق، أعتبر المحلل الأمني موفق حميد أن "توجه الشباب إلى الداخل الفلسطيني بالأساس ينبع من تصور وطني أو شكل من أشكال الدفاع عن الوطن من وجهة نظرهم، حتى وأن كان لدي الشباب توجهات أخرى مثل البحث عن عمل".

ولفت حميد خلال حديثه لــ"أمد للإعلام"، إن جيش الاحتلال يستغل هذا التسلل بشكل كبير جدًا، من خلال الضغط على الشباب في محاولة اسقاطهم للعمل كعملاء بمقابل مادي بسيط، منوهًا إلى أن ذلك جاء بعد أن فقد الاحتلال القدرة على الاحتكاك المباشر مع المواطنين في غزة بعد انسحابه من الأرض.

ويجد حميد أن الثغرات الأمنية عالميًا تكون من ثلاث اتجاهات أما المعابر أو الحدود أو البحر، وهنا نجد محاولات المحتل المتكررة تجنيد وضغط على التجار والمرضي والعمال عن طريق المعابر للعمل معهم، كذلك تكرار حجز الصيادين والتحقيق معهم ومحاولة تجنيدهم، وأخيرًا عن طريق المتسللين عبر الحدود.

وتابع:" يبحث الاحتلال دائما عن طرق أخرى لعملية الاسقاط، وتعتبر هذه الطريقة مجدية كون أن الجيش يحتك بشكل مباشر مع الشباب ويمكن أن يمارس عليهم الكثير من الطرق لإجباره على العمل لديهم ".

ولا يشكك المحلل في نوايا هؤلاء الشباب الذين يحاولون التسلل ويعتبر أن الدافع الأول وطني، مشيرًا إلى أن الاجهزة الامنية ألقت القبض على عدد مما تسللوا وعادوا للقطاع وبعد التحقيق معهم تبين أنهم يعملون لصالح المخابرات الإسرائيلية.

ودعا حميد بضرورة توعية الشباب حول عملية التسلسل وايضاح حقيقة الأمر لديهم من قبل الأجهزة الأمنية كون أن عملية التسلسل لن يكتب لها النجاح نهائيًا في الوقت الحالي، معللًا السبب بأن" الجيش الإسرائيلي أحاط كل الحدود الشرقية للقطاع بسياج لدية القدرة على التحسس لأجسام بالحرارة ".

ويفسر بشكل أكبر ذلك بأن " هذا السياج لديه القدرة على تنبيه المحتل بأن هناك جسم يصدر حرارة وهذه ميزة في الكائنات الحية، يحاول تخطيه ويمكنه أيضًا التعرف على نوع الجسم إذا كان حيوان أو أنسان لذلك لن يتمكن بأي حاله من الأحوال اختراق هذا السياج.

وذكر حميد أن قطاع غزة مازال لا يملك الأجهزة التي من الممكن أن تشوش على هذا السياج، مع التأكيد على وجود بعض الأماكن التي يحدث فيها بعض الخلل، مؤكدا في نفس الوقت أن الأمر يكون طارئ فقط.

وعن أسباب توجه الشباب نحو الحدود أكد مرة أخرى المحلل الأمني حميد أن الدافع لن يخرج من كونه وطني، وأن بين أن المستقبل الذي يعيشه الشباب في قطاع غزة معدوم، ولا أفق حقيقية أمامهم لذلك يتوجهون نحو المجهول على أمل أن يجدوا بريق أمل.

وأطلق رسالة لجميع الشباب بأن كل محاولاتهم للتسلل لن تجدي نفعًا بل على العكس ستعطي سببًا مقنعًا وقويًا لدي الأجهزة الأمنية بغزة لإلقاء القبض عليه وإخضاعه لتحقيق، وهنا سندخل في وضع نفسي واجتماعي للشاب يتسبب بالمزيد من التعقيدات.

عن امد

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق