حكايا فتحاوية "5"

14 أكتوبر 2019 - 23:15
داليا العفيفي
صوت فتح الإخباري:

 

في سجن النقب، "كتسيعوت" بالعبرية، الواقع في أقصى جنوب النقب، الثلث الجاف والملتهب من الخارطة الفلسطينية، وعلى بعد 10 كم فقط عن حدود سيناء المصرية، أقيم في عام 1988، معزولاً وسط كثبانٍ رملية حارة، وهواء جاف خالٍ من الرطوبة حيث تتصحّر الأرض لقلة الماء وتموت السنابل وتهاجر الطيور والناس .. فهل يموت الإحساس؟! كانت الرسائل والزيارات بين المعتقلين والأهل في الخارج ممنوعة باعتبار أنهم يحاولون فصلهم عن الواقع الخارجي كليا ليتم ترويضهم، لكن هؤلاء المعتقلين جعلوا من هذه البقعة الجرداء من الوطن واحةً للنضال وبوابةً مفتوحة "لصراع الإرادات" مع الإحتلال الإسرائيلي. لقد تحوّلت الجدران والأقفاص الحديديّة والخيام المهترئة إلى قلاع وروافد للثورة والإنتفاضة. هذا المعتقل والسجن الكبير كان يضم بين أسلاكه أكثر من 12 ألف مقاتل فلسطيني من مختلف الأماكن والشرائح المجتمعية التي شكّلت الوقود الحي للإنتفاضة المباركة في الوطنِ المحتل. في مشهدٍ دار أمامي التقى رجل في الخمسينيات من عمره بأحد أصدقائه المناضلين القدامى وصافحه بحرارة، ثمّ تلفَّت الانتباهِ قائلاً: "أهلاً بابن قضيّتي!" .. تعجّبت من حرارة اللقاء، وقول هذه الجملة فسألت ما معنى ما قلت؟! أجابني أنه تم اعتقالنا على نفس القضية في سجون الإحتلال، ومن ثمّ باعدَت بيننا هموم ومشاغل الحياة بعد الإفراج عنا .. كبرنا والشَّعر قد شابَ وشاب؛ ولكننا لا ننسى أولئك الذين عرفناهم في حب وتضحية ونضال لأجل الوطن. وهكذا كان رابط السجن لم يفرّقهم، بل ترى فيها عهد قديم لا يمحوه الزمن. ما أعجبَ أو بالأدقّ "أقدسَ" معانيه وهم يتبادلون الذّكريات والقصص عن كيفية القبض عليهم، وعذابات الزنازين ومعاناة السجن، ويتندّرون على بعض التصرفات التي كانت تحصل في فترة الإعتقال. عودةً لحكايا سجن النقب الذي أطلِق عليه اسم معتقل " أنصار 3"، روى أحد المعتقلين المحرّرين من أبناء حركة فتح قصة وقعت في السجن تحمل الكثير من المعاني السامية، حيث أنّ سلطات السجن الإسرائيلية العسكرية وضعت منذ إفتتاحه جملةً من الإجراءات الهادفة إلى كسر إرادة المعتقلين، ومنها قرار بمنع أن يمشي أكثر من اثنين سوياً، وعدم السماح برفع الآذان والصلاة، مما خلق حالةً من التحدي والمزيد من صراع الإرادات. ووقتها بادر قيادي فتحاوي من المعتقلين برفع الآذان رغم أنف السجّان، مما أثار جنون سلطات السجن العسكرية وتم إخراجه من بين زملائه المعتقلين لمعاقبته وتعذيبه أشد عذاب، ومن ثم إعادته إلى السجن، ولكنه أعاد الكَرَّة مرة أخرى برفع الآذان من جديد حتى جاء يوم الجمعة، ورفع آذان الجمعة ووقف كل معتقلي حركة فتح خلفه لإقامة الصلاة، وانتصرت إرادة السجين على السجّان، علماً بأن هذا الأخ القيادي لم يكن من الملتزمين بالصلاة بل كان يرى في هذا الفعل المقاوم لإردة السجن بأنه يؤسس لما بعده من فرض إرادة الصراع وتحسين الظروف الحياتية للمعتقلين. هذا ويروي أحد المناضلين الفتحاويين وهو معتقل سابق في سجون الاحتلال أنه كان أثناء الزيارة لبعض الإخوة كَزيارات عائلية يتم إحضار ملابس جديدة من ذويهم ودفع مبالغ مالية "للكنتينة"، وهو ما لا يتوفر لآخرين من إخواته المعتقلين، فكان النظام الثوري والقيم الأخوية تفرض عليهم تقديم جزء منها للصندوق التنظيمي لتوفير احتياجات إخوانه من أبناء الحركة غير المقتدرين، فيحصلون عليها بلا مِنة أو شعور بالنقص بل باعتبارها حق للمناضل الفتحاوي على حركته التي تسعى لتهيئة أفضل الظروف له داخل المعتقل وتوفير احتياجاته الضرورية وحفظ كرامته. كما أن "لمطبخ السجن" حكايا كثيرة منها رواية مشهورة جميلة جرت أحداثها في سجن النقب، عندما قام المناضل المرحوم (إبراهيم حسنين ) الملقب بـ "كابوتشي" عام 1991 الذي كان حينها يعمل في المطبخ ليعدّ الطعام للمعتقلين في السجن، فقام بالتسلل إلى مطبخ جنود جيش الإحتلال "السجانين و الحراس "، والذي لا يتجرأ أحد على الاقتراب منه، وتمكّن من الحصول على "دجاجة"، ثم خرج بها لإخوانه يطوف على أقسام السجن، يصرخ عليهم حامل الدجاجة ويقول بصوت عالي: "يا شباب لسه الجاجة برجلتين ..يا شباب لسه الجاجة برجلتين "! علماً بأنّ معتقلي النقب لم يشاهدوا الدّجاج مطلقا في طعامهم منذ افتتاح سجن النقب 1988 حتى 1992، وأول مرة دخل فيها الدجاج كوجبة طعام للمعتقلين هناك، كانت الدجاجة الواحدة من نصيب 12 معتقل! ومازال للحكايا بقية ...

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق