عن انتفاضة الداخل السياسية

24 سبتمبر 2019 - 07:20
رجب أبو سرية
صوت فتح الإخباري:

لقد عودنا شعبنا، كلما ضاقت به السبل، وكلما تكالب عليه الأعداء والخصوم، على أن ينتفض من حيث لا يعلم أحد، وأن يجترح المعجزة، التي تبدو دائما بالنسبة للآخرين من العاجزين، أو حتى  من الذين لا يدركون عمق المخزون الكفاحي لشعب عظيم اسمه الشعب الفلسطيني، بأنها مستحيلة، فالمستحيل ليس كلمة واردة في قاموس الكفاح الوطني الفلسطيني، وفلسطين الجغرافيا إذا كانت محددة بحدودها الانتدابية، فإن فلسطين الثورة إنما تمتد على أربعة أرجاء الدنيا، فحيث يوجد فلسطيني «حتى لو في الكونغرس الأميركي» توجد الثورة ويوجد الكفاح من أجل حرية فلسطين وشعبها.
ما بدا للبيت الأبيض ولكثير من العرب، ما بدا لكل هؤلاء من أنه أحد «ثوابت السياسة الإقليمية»، وكان عدوا لفلسطين بكل ما في الكلمة من صفاقة وسفور، بدا للشعب الفلسطيني وكتيبته المتقدمة في «داخل إسرائيل» مجرد عابر في صراع عابر، وهكذا حين اقتربت اللحظة من حد السكين، امتدت الرقبة لتسقط الجلاد، بأنفة وكبرياء، لا يليق إلا بالمناضلين من أمثال أيمن عودة واحمد الطيبي ورفاقهما. 
وحين لا تشوب الانتماء لفلسطين شائبة، ولا يفتقر المرء للخبرة والحنكة، كما أنه لا يفكر في الادّعاء، بل يصدق شعبه الكلام والفعل، حينها فإن الانجاز يتحقق لا محالة، وهكذا كان، وقد بدأ إعداد العدة منذ أربع سنوات، حين تأكد بأن الوحدة مفتاح الطريق الأقصر للانجاز، فكان التقدم العربي لانتخابات الكنيست العشرين بقائمة مشتركة، مدخل تحقيق الانجاز غير المسبوق بانتزاع ثلاثة عشر مقعدا نيابيا عربيا وطنيا، في الكنيست الإسرائيلي، يدخلون المعقل الإسرائيلي من البوابة الواسعة، ومعروف بأن الشعب الفلسطيني الموزع على الجغرافيا كما هو موزع في السياسة، يجتمع ويتوحد بتكامل الأداء بين حلقات تجمعاته المختلفة والمتعددة، فالنضال السياسي الذي يقوده فلسطينيو الداخل من أجل حقوق المواطنة والمساواة إنما هو ضرب في العمق العنصري لمشروع اليمين الإسرائيلي، الذي بحكمه المتواصل طوال العقود الماضية، فكر في الترانسفير، وفي النفي وفي تهويد العرب الفلسطينيين من مواطني الدولة، وصولا إلى فرض قانون القومية، وذلك في محاولة لتحقيق انجاز لم يتحقق لهم منذ العام 1948 .
ولأن طريق الكفاح يشهد عادة صعودا وهبوطا، فإن أيادي العبث الإقليمي تدخلت لصالح صديقها اليمين الإسرائيلي الحاكم في انتخابات الكنيست الواحد والعشرين، في محاولة لحرف كفاح بدأه توفيق طوبي وإميل حبيبي وتوفيق زياد منذ عقود، فكان التراجع عن الوحدة عبر القائمة المشتركة في انتخابات نيسان الماضي، بمثابة ناقوس دق جدران الخطر، حين تراجع التمثيل العربي إلى عشرة مقاعد، وكادت قائمة التجمع والموحدة أن لا تتجاوز نسبة الحسم.
أما نتنياهو فكان يعرف أو يدرك مدى «خطر» الكفاح العربي ضد أحلامه في إلحاق الهزيمة التامة بكل بنود ملف الصراع مع الشعب الفلسطيني، فجعل من التجمع العربي، ليس مادة للتحريض وحسب، ولكن هدفا من أهداف حملته الانتخابية، وحاول بشتى السبل أن يفتّ في عضد المناضل الفلسطيني الذي يكافح بثبات من أجل حقوقه الطبيعية في وطنه، لكن المناضل الصلب ظل متماسكا، وقاوم محاولة فرض كاميرات المراقبة على مراكز الاقتراع في مناطق التجمعات العربية، وهكذا وقف أيمن عودة وأحمد الطيبي في وجه عنصرية نتنياهو في الكنيست بكل فخر واعتزاز .
وحين أثبتت القيادة السياسية حزمها وثباتها ووحدتها التف الجمهور من حولها، وحدثت الانتفاضة في مراكز الاقتراع، ليس بالتدافع بالتصويت وحسب، بل وبالتصويت للقائمة المشتركة بنسبة 90%، وهذا يعني الحفاظ على الصوت العربي وطنيا وخارجا من جيوب كل الأحزاب الصهيونية، وكذلك إغلاق كل محاولات تلك الأحزاب للدخول من بين الشقوق الطائفية أو الحزبية السياسية في الوقت نفسه. 
يمكن القول بعد ما حدث في انتخابات الكنيست الواحد والعشرين، بأن الانتفاضة المنتظرة قد جاءت بشائرها من عيون وحناجر أهلنا في الداخل هذه المرة، لتبشر أهل غزة والقدس والضفة الغربية بفرج قريب، وما هي إلا لحظة يتعلم فيها بعض المراهقين في السياسة وبعض الأنانيين من الجماعات السياسية، بأن درس الوحدة في مواجهة العدو، أول وقبل كل شيء هو المعيار، وأن يضعوا حدا للانقسام بين غزة والضفة فورا، حتى نقول بأن الأمور قد صارت بكل خير .
إن ردة فعل المطاح به في الانتخابات الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو على توصية القائمة العربية المشتركة لخصمه تشير بما لا يدع مجالا للشك، إلى أهمية القرار، حيث جاءت التوصية تتويجا لكفاح القائمة من أجل إسقاط نتنياهو، حيث زاوج قادتها الأشاوس بين صلابة المكافح الوطني ووعيه السياسي العميق، وإدارته للمعركة حتى النهاية، حيث لم يكن بالسذاجة التي ظهرت لدى البعض بالتوقف عند حدود انجاز المقاعد الثلاثة عشر، ووضع جميع الخصوم في سلة واحدة.
وقد كان مثل ذلك الموقف «العدمي» هو ما يريده نتنياهو واليمين التقليدي والمتطرف الإسرائيلي، حتى يقوم به بدوره بتحشيد كل الأحزاب الإسرائيلية الأخرى من أجل «ذبح العرب» وإخراجهم من وطنهم، وهنا يبدو المغزى العميق لما قاله الطيبي للرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين من أننا «نحن أهل البلاد الأصليون».
الآن وبعد إلحاق الهزيمة بنتنياهو لا بد أن تتواصل المعركة ويأتي الدور على الحلقة التالية وهي وحدة غزة والضفة ليتم إلحاق الهزيمة الماحقة بصفقة العصر، وقبل تشكيل الحكومة الجديدة، حتى يتم فرض معادلة جديدة على إسرائيل تجبر حكومتها _أيا كانت_ أن تخرج من رأسها فكرة شن هجوم عسكري على غزة، التي ستكون في ظل الحماية السياسية للسلطة والعسكرية الميدانية لقوتها الداخلية، كذلك فكرة ضم الضفة الغربية أو أية أجزاء منها، لأنها ستواجه ليس سلطة سياسية معلقة في الهواء أو ضعيفة شعبيا أو ميدانيا بل سلطة يتوحد من ورائها ومعها الكل الوطني والشعبي، وبذلك فقط يمكن القول بأن حقبة نتنياهو التي أرادت إغلاق الملف على أحلام  زئيف جابوتينسكي قد ذهبت إلى غير رجعة، وإلا فإن انتفاضة الداخل السياسية ستبقى مجرد صفحة بيضاء في تاريخنا المرصع بدرر الكفاح الوطني.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق