كيف هوى العالم العربي إلى هذا الهوان؟

21 يونيو 2019 - 08:36
أكرم عطا الله
صوت فتح الإخباري:

ليس مهماً ما قاله جيبسون غرينبلات، فبعد ما ارتكبته هذه الإدارة من تشويه للتاريخ وانحياز سيبقى عاراً في التاريخ الأميركي، لم نعد نميز بعض التصريحات: هل هي صادرة من أحد أشد أحزاب الاستيطان الإسرائيلي تطرفا، أم من شخصيات البيت الأبيض؟ بتنا نحفظ تصريحاتهم القادمة حتى والطافحة بالانحياز والابتذال لإسرائيل، «فإسرائيل هي الضحية»، هكذا يقول الذي تعوزه قراءة التاريخ ويعمل في السياسة «والضفة ليست محتلة»..!
لكن الأهم: لماذا تجرأ هو وغيره في هذه الإدارة على الجهر بهذا الشكل في كل ما قالوه؟ لم تكن الإدارات السابقة والمنحازة جميعها لإسرائيل «باستثناء إدارة أوباما ربما»، ولكن جميعها منذ تأسيس الدولة ومنذ أن بكى الرئيس ترومان فرحاً عندما أقيمت إسرائيل.. لم تكن تغامر بهذا الشكل المعلن في الولاء لإسرائيل.
الأمر هنا يتعلق بحالة العرب، التي وصلت إلى قاع لم تشهد لها مثيلاً على امتداد تاريخها شديد الضعف بمقاييس الدول. ولكن الولايات المتحدة الأميركية كانت سابقاً تأخذ العرب بعين الاعتبار وهي تنظر للملف الفلسطيني؛ فكانت تتحسب لبعض المواقف العربية وتتحسب للرأي العام العربي، وتخشى على مصالحها، أما الآن بات من الواضح أن هذه الإدارة تتصرف كأن على العرب أن يكونوا عبيداً لها.
حتى إدارة بوش، الشريك في اغتيال الزعيم التاريخي للفلسطينيين ياسر عرفات، عندما كان ينوي مهاجمة العراق اضطر أن يقدم للعرب رشوة تحفظ ماء وجههم، وهي خارطة الطريق والوعد بالحل. وكذلك فعل والده بوش الأب عندما تعهد بعقد مؤتمر مدريد لحل القضية الفلسطينية، أما الآن فقد اختلف كل شيء وأصبحت العلاقة شيئاً من العبودية والإملاءات.
ربما أنه ليس ذنب الإدارة الأميركية، فالسياسة ليست عواطف ولا صداقات، بل ممكنات قوة تحدد طبيعة العلاقة بين الدول. وفيما الولايات المتحدة راكمت ما يكفي من عوامل القوة، كان العرب يجتهدون لنزع كل ممكنات قوتهم؛ فقد تجردوا من كل شيء، وظهروا عراة على مسرح التاريخ، وباتوا كما البهلوان الذي يضحك عليه الجميع وقتما يشاء. وهذا يمكن ملاحظته من تسعير الصراع بين دول الخليج، وكمية الأموال المنقولة إلى واشنطن من أطراف الأزمة؛ لمحاولة كسب الموقف الأميركي الذي يتنقل بين الخصوم داعماً مرة وناقداً أخرى.
لم يعد العرب شيئاً أمام القوة الدولية أو منطقة بات يحسب لها أحد حساباً، وأبعد من ذلك باتت الحالة العربية أكثر وهناً مما نعتقد، فقد تجاوزت مرحلة الوهن التي كنا نطالبها بمغادرتها وسقطت في الهوان الذي بات يكلل تاريخنا الحديث في مرحلة من أكثر مراحل التاريخ خجلاً شاءت الأقدار أن نكون شهودها وأن نكتب عنها.
الذي يختصر رداءة المشهد هو التصريح الأخير لوزير الخارجية البحريني بعد لقائه وزير الخارجية الإسرائيلي، وبكل السوداوية التي يحملها المشهد لشعب تحت الاحتلال. يقول الوزير العربي: «الشعب الإسرائيلي بحاجة إلى راحة البال».. ماذا يمكن أن نسمي هذا؟ وأي تحليل يمكن أن يفسر ما وصل إليه العرب من سقوط؟ يبدو أنه لن تقوم لهم قائمة بعدها دون أن نرد على وزير لم يعد يميز بين الأبيض والأسود ذات نهار أكثر سواداً مما نحن فيه.
قبل أكثر من عقدين، كان وزير الخارجية الأميركي الأشهر، هنري كيسنجر، يحاول وصف أزمة  العرب، قائلاً: «إن المنطقة العربية ككتلة صخر مهولة انكسرت من الجبل وراحت تتدحرج، ولا تزال عشوائية على سفوحه، وهي توشك أن تنقض على الوديان والشطآن المحيطة بالجبل، مهددة بدمار وخراب إلى درجة الكارثة». ويمضي عقد بعد أن نقل عنه هذا، لتحط صخرة العالم العربي بأسوأ مما تخيل كيسنجر، فيما عرف بالربيع العربي فتتحطم إلى شظايا وتحطم المدن والوديان والشطآن التي كانت تحلم أجيال عربية أن ترسو عليها بأمان، وإن كان حلماً يدرك العارفون أنه كان بعيداً عن واقع العرب ويطول الحديث في أسبابه.
حطت الصخرة الهاوية فحطمت نفسها وكل شيء.. المدن، والسياسة، والجامعة العربية، والقوة العربية، والهيبة العربية، والمجتمعات العربية، وانشغل العرب ببعضهم: معارك في العراق، وأخرى في اليمن، وغيرها في ليبيا، واستثمارات هائلة بالقتل في سورية، وتجارة الموت وخطوط مواصلاتها التي انفتحت كلها دون عوائق. النتيجة أن هذا الربيع سقط في جيب تل أبيب، فبعد ما شهدته المنطقة من تحطيم وتحطم، باتت تزحف أو تتودد إلى تل أبيب، وبات الإسرائيلي سيداً في المنطقة، وتلبست العرب فكرة أنه بوابة العبور للولايات المتحدة، والولايات المتحدة بوابة العبور لشرعية الحكم العربي.
وأمام هذه المعادلة، يصبح التغول الإسرائيلي جزءاً من طبيعة الأشياء، ويصبح الاستخفاف الأميركي من عادياته؛ طالما هناك من جياد تنحني، فمن حق كل لصوص التاريخ أن يعتلوها ويُرَقّصوا أقدامهم طرباً، فالتاريخ لا يحمي المغفلين، وإذا كان العرب فعلوا بأنفسهم كل هذا الخراب الذي أحدث انهياراً لكل المعايير في المنطقة، فباتت إسرائيل بحاجة إلى راحة البال، وبات «حزب الله منظمة إرهابية»، و»بات الفلسطيني رافضاً للحلول»، وكل شيء انقلب بنظر العرب، وهكذا يصبح كل ما تفعله الولايات المتحدة وإسرائيل جزءاً من واقع المنطقة التي تجثو على ركبتها ولم يعد لها مشروع سوى البقاء في الحكم، مهما كلف الشعوب من لحم ودم وأرض، وإن كلفها كرامتها وكبرياءها أيضاً.
لكن الجرح الأقرب والأكثر إيلاماً هو هذا المشهد الفلسطيني المتشظي الذي لا يقل بؤساً عن الصورة العامة للعرب، وهو ما يجعل أصواتاً بدأت تطل برأسها تهاجم الفلسطينيين بكل هذا الحقد والاستخفاف، وهو الجرح الذي إن لم نتمكن من علاجه لن يحترمنا العرب ولا العالم، كما لم يحترم هذا العالم واقع العرب، لنكون الضحية الوحيدة لكل هذا الهوان، وليست إسرائيل كما يقول وزير غرينبلات. ومن حقنا نحن أن نرتاح، وهذا ربما لا يعرفه وزير الخارجية البحريني...!!!

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق