معاريف / نتنياهو لا يريد مواجهة مع حماس، لكنه في الواقع يسرّعها

22 يوليو 2019 - 10:47
صوت فتح الإخباري:

بقلــم: يوسي ملمان

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ليس معنيا بالحرب. وللدقة، هو ليس معنيا بحرب تشارك فيها إسرائيل وتقع على حدودها. يمكن الافتراض بانه كان سيكون راضيا جدا لو كانت الولايات المتحدة تهاجم (ولعلها ستهاجم وان كان احتمال ذلك متدن جدا) إيران، بسبب برنامجها النووي، بسبب تطوير الصواريخ وبسبب دعمها لمنظمات الارهاب ودورها في هز الانظمة. ومع انه لم يطلب هذا علنا ابدا، فان هذا ما امل به نتنياهو في اعوام 2010 - 2015، في عهد ادارة اوباما الى أن وقع الاتفاق النووي فأزال الخيار العسكري عن جدول الاعمال.

ولكن في كل ما يتعلق بإسرائيل، فان نتنياهو حذرا جدا، وهو يكاد يفعل كل شيء كي يمنع المواجهة العسكرية مع حماس في غزة. نحن نرى هذا في كل يوم في سلوكه وفي قراره السماح لقطر بان تحول بين الحين والاخر عشرات ملايين الدولارات - حتى الان حول الى غزة نحو 150 مليون دولار - رغم الانتقاد اللاذع الذي يوجهه له اليمين (بينيت، سموتريتش، ليبرمان) والوسط (أزرق أبيض).

ان تصميم نتنياهو على عدم الانجرار الى الحرب يسمعه ايضا قادة جهاز الامن، وعلى رأسهم رئيس الاركان أفيف كوخافي، في المداولات معه. في هذه الجلسات يشدد نتنياهو، الذي هو كما يذكر وزير الدفاع ايضا، على انه يجب ابداء ضبط النفس في المواجهات على الجدار، والرد بتوازن وبالأساس منع القتلى في الطرف الاخر. في تلك الجلسات، بعضها عقد في اعقاب وقوع حوادث، يحقق نتنياهو مع قادة الجيش في تفاصيل التفاصيل، ليس فقط كي يكون مطلعا بل وبالأساس كي تستوعب رسالته في اوساط القيادة العسكرية بأنه يجب عمل كل شيء لمنع التصعيد.

منذ اذار 2018 كانت بين إسرائيل وحماس 15 جولة حربية (او ايام قتالية). بعضها، مثل الاخيرة، كانت حثيثة جدا، وبعضها الاخر اقل من ذلك. بعد كل جولة تحقق وقف للنار دون أن تحل المشاكل الاساس، او ما يسمى التسوية. في الطرف الفلسطيني قتل نحو 270 شخصا واصيب بضعة الاف. معظم القتلى كانوا في الاشهر الاولى من المظاهرات والمسيرات قرب الجدار. معظم المصابين كانوا مدنيين وقلة منهم كانوا اعضاء في حماس أو الجهاد الاسلامي. في جهاز الامن يعرفون ويفهمون حساسية المنظمات للقتلى. رئيس الاركان السابق غادي آيزنكوت فهم هذا جيدا، ويفهم هذا بقدر لا يقل جودة ايضا كوخافي وقائد قيادة الجنوب اللواء هرتسي هليفي.

في 4 و5 ايار 2019 بدأ تبادل شديد للنار بين الطرفين هو الاشد منذ الجرف الصامد في صيف 2014. في اثناء ذلك أطلق من غزة نحو 700 صاروخ نحو مدن الجنوب (ولكن ليس الى بئر السبع) وبلدات غلاف غزة. بدأ هذا التصعيد بعد أن تقرر كرد على النار نحو إسرائيل ضرب موقع مأهول لحماس. اصيب مقاتلان من المنظمة فردت بالصواريخ الى ادت الى موت أربعة إسرائيليين.

لا تحرك سلوك رئيس الوزراء طبيعته الحذرة وخوفه من التورط والمغامرة فقط. فهو يخاف من الحرب، وبالتأكيد قبل الانتخابات، لمعرفته بانها ستؤدي الى عشرات القتلى وان لم يكن أكثر، وانه سيكون من الصعب تحديد غاية عسكرية - سياسية للجيش الإسرائيلي تتمثل بإسقاط حكم حماس، وهي مهامة صعبة على التنفيذ. لديه أيضا استراتيجية ورؤيا ايديولوجية: نتنياهو يسعى الى الحفاظ على الوضع الراهن كي يبقي حماس في الحكم، يحافظ على الانقسام في المعسكر الفلسطيني ويواصل التآكل المتسارع في فكرة الدولتين. في جلسة كتلة الليكود قبل بضعة أشهر قال نتنياهو - ولعل هذه زلة لسان عجيبة، وربما عديمة الحذر - ان كل من يعارض اقامة دولة فلسطينية يجب أن يؤيد خطواته مع حماس، بما في ذلك ضخ الاموال الذي يصفه خصومه وعن حق بانه "خاوة".

ولكن نتنياهو ليس مستعدا لان يسير باستراتيجيته وايديولوجيته حتى النهاية. ولهذا فهو يقفز على البندين في كل ما يتعلق بإعمار القطاع. فهو يسمح بتوسيع مجال الصيد (الذي يغلق ويفتح كرد شبه وحيد من جانب إسرائيل على إطلاق البالونات، احراق الحقول وإطلاق صاروخ او اثنين)، نقل الوقود، الغذاء والادوية، تشغيل عمال في اعمال مؤقتة، وكذا ضخ المال القطري، الذي يمنح راتبا شهريا بمئة دولار للعائلات الفقيرة. ولكن نتنياهو يعرف جيدا ايضا بان نقل الاموال من قطر لا يستهدف الا منع انهيار انساني للقطاع، بالمليونين من سكانه. ورغم ذلك، فانه لا يدفع بكل القوة نحو السماح بإقامة مشاريع واسعة للبنى التحتية مثل بناء منشأة لتحلية المياه، تحسين هام للمجاري وزيادة انتاج الكهرباء.

***

مثال بارز على عدم قدرته او رغبته في ان يحسم الخلافات هو في مسألة خروج العمال للعمل في إسرائيل، والذي سيخفف جدا من الازمة الاقتصادية في القطاع. منسق اعمال الحكومة في المناطق اللواء كميل ابو الركن يقترح السماح لـ 5 الاف غزي يستوفون المعايير بالخروج في كل يوم للعمل في إسرائيل.

رئيس الاركان كوخافي يؤيد الاقتراح. رئيس المخابرات نداف أرغمان يعارضه. صحيح أنه من سوابق الماضي يمكن الاستنتاج بان حماس والجهاد الاسلامي سيستغلان تصاريح العمل لتهريب المواد المتفجرة، السلاح، نقل الاموال الى الضفة والتعليمات لتنفيذ العمليات. في الماضي، زورت حماس تصاريح طبية كي تدخل رجالها الى إسرائيل تحت غطاء مرضى. فاكتشفت المخابرات الإسرائيلية هذه الطريقة ومنعتها. واليوم ايضا تستغل حماس النساء والاطفاء المرضى الذين يحتاجون الى العلاج الطبي في إسرائيل كي تنقل الرسائل والاموال الى نشطاء الارهاب.

تؤيد المخابرات مبدئيا تخفيف الضائقة الاقتصادية في غزة، وتؤيد اقامة مناطق صناعية قرب الحدود بل وزادت حجم التصاريح للتجار الغزيين للخروج الى إسرائيل والى الضفة، وللتجار العرب الإسرائيليين الدخول الى غزة. ورغم ذلك، فان أرغمان غير مستعد لان يأخذ اي مخاطرة حتى وان كانت أصغرها. فالمخابرات غير مستعدة لان تسمح بإجراء تجربة لإدخال 500 أو 1.000 عامل. صحيح أنه إذا نفذ عمال سمح بعملهم اعمالا ارهابية، فان المخابرات ستتهم بذلك. ولكن رئيس المخابرات ليس فقط مقاول لإحباط الارهاب بل ومستشار أمنى للحكومة ايضا. ينبغي له أن يرى الصورة بشكل اوسع. نتنياهو لا يتخذ موقفا في هذا الخلاف، وهكذا فانه في واقع الامر يأخذ بموقف أرغمان والمخابرات وان كان يعرف بان تشغيل العمال في إسرائيل سيزيد الاحتمالات لهدوء اطول والى تسوية في غزة.

بالمقابل، لا يقبل رئيس الوزراء بموقف المخابرات الذي يحذر منذ زمن بعيد من الوضع الاقتصادي الصعب في الضفة. فالتدهور الاقتصادي الذي يجد تعبيره في تقليص الرواتب، تقليص الانتاج والانكماش الاقتصادي هو كله من فعل يد حكومة نتنياهو. وزراء ونواب بمن فيهم آفي ديختر (وكذا اليعيزر شتيرن من يوجد مستقبل) بادروا الى مشروع قانون لاقتطاع حجم المبلغ الذي تدفعه السلطة لعائلات المخربين من اموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل لهم (في السنة الماضي حولت السلطة الى العائلات نحو 1.2 مليار شيكل.

عارض نتنياهو على مدى السنين مشروع القانون وغيرها من المبادرات في هذا الشأن لفهمه لآثارها. ولكن في شباط 2019 نفدت قوته، ولاعتبارات انتخابية لم يمنع الكابينت من تبني القانون.

ادعى المبادرون الى القانون بان سماح إسرائيل بنقل الاموال يعني أنها تشجع الارهاب. واقتطاع الاموال سيقلص الدوافع للانضمام الى دائرة الارهاب. ولكن هذا مال فلسطيني إسرائيل مجرد وصية عليه. وشئنا أم أبينا فان من تراهم إسرائيل "مخربين" هم في نظر كل فلسطيني تقريبا مقاتلين وابطال. أما من بادر الى القانون فانه إما انه لا يفهم بانه يمس بذلك بالوتر الاكثر حساسية في المجتمع الفلسطيني او أنه لا يكترث بذلك.

ردت السلطة بكل القوة. فهي ترفض ان تقبل من إسرائيل مالها إذا كان مقلصا. وهكذا اضطر رئيس الوزراء لان يبعث بأرغمان الى اللقاء مع رئيس السلطة ابو مازن في محاولة لمصالحته، المحاولة التي لم تنجح. وبالتوازي يحاول جهاز الامن وضع افكار ابداعية اخرى لتربيع الدائرة: نقل كامل المبلغ الى السلطة من مصادر اخرى على الا تبدو إسرائيل كمن تراجعت وتواصل تمويل عائلات المخربين. ولكن ابو مازن يواظب على رفضه. وحسب مصادر فلسطينية فقد شرح لأرغمان بان هذا موقف مبدئي، هو فكرة الشعب الفلسطيني. مثابة على جثتي. وباختصار - رسالة ابو مازن هي ان عليكم ان تغيروا القانون. واضح ان هذا لن يحصل.

*** 

في الافق، ليس واضحا إذا كان القريب أم البعيد، بانتظار المخابرات وجع رأس آخر، قد يكون أكبر. ماذا سيحصل إذا قرر نتنياهو ان يضم المنطقة ج في الضفة حيث لا يوجد سوى 100 ألف فلسطيني ومستوطنات كثيرة، وهي تشكل نحو 60 في المئة من اراضي الضفة؟ لقد سبق نتنياهو ان قال قبل الانتخابات انه سيفعل ذلك. اما الان، فيما يتمتع بريح اسناد من ادارة ترامب الذي أيد اثنان من ممثليها - فريدمان وغرينبلات - ذلك فان السؤال المشوق هو إذا كان سيعلن عن ذلك قبل الانتخابات ام بعدها، إذا ما انتخب مرة اخرى في ايلول.

في جهاز الامن ينشغلون في المسألة بقدر غير قليل ويحطمون الرأس لمعرفة ماذا سيكون الرد الفلسطيني إذا ما أعلنت إسرائيل عن الضم. فهل سيحل ابو مازن السلطة أم سيكتفي "فقط" بوقف التعاون الامني. وحين تكون في الخلفية حرب الخلافة لليوم التالي لابو مازن، فان احدا في جهاز الامن ليس لديه اي فكرة ما الذي يتوقع.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق