قيادي حمساوي لاشتية: الأيام دول والمواقف رجال

09 يوليو 2019 - 09:44
صوت فتح الإخباري:

وجه القيادي في حركة حماس، أحمد يوسف، رسالة إلى رئيس وزراء حكمة عباس، محمد اشتية، وذلك في مقال له حمل عنوان "الأيام دول والمواقف رجال".

"صوت فتح" ينشر رسالة يوسف والتي جاءت في مقاله كما أوردها: 

ابتداءً إن الوعي بالمشكلة؛ أيّ مشكلة، هو جزءٌ من حلِّها، وإن إرادة الفعل في السياسة تهيئ السبل الكفيلة للنجاح، فإذا صدق العزم وضح السبيل، وأنت أستاذٌ مخضرم، وليس لمثلي أن يُعلِّمك كلماتٍ هي لمثلك تأتي في سياق نافلة القول.

أخي أبو إبراهيم رئيس الوزراء

لا شك أن اختيارك لمنصب رئيس الحكومة قد أنعش للكثيرين الآمال بإمكانية فعل شيء لاستنقاذ الحالة الوطنية، حتى بعد أن تهتك نسيجها السياسي، وفقدت البوصلة وطوق النجاة، فطائر العنقاء يسكن فينا، وإرادة الحياة تبعثه من تحت الرماد، فهذه هي فلسطين نبتة الأرض التي باركتها للعالمين السماء .

 

الصديق العزيز أبو إبراهيم


حتى يستقيم الهرج والمرج فيما نتخبط به منذ سنين، فإنه يتوجب علينا أن نقر ونعترف بأننا أخطأنا جميعاً بحق الوطن والشعب والقضية، كما أخطأنا بحق أنفسنا كفصائل وتنظيمات حين تضخمت الأنا والرايات الحزبية، فكنا بذلك سبباً وراء ما آلت إليه أمورنا السياسية والنضالية والحياتية من تراجعات وانتكاسات.. وبرغم فداحة كل هذه الأخطاء الكبيرة والحماقات السياسية، إلا أننا لم نتعلم كيف نتجاوز سقطاتها ونطوي صفحاتها، ونفتح لمسيرتنا أفقاً جديداً نستعيد فيه الحيوية والتوازن وقوة الفعل لمشروعنا الوطني، وتطلعات شعبنا في التحرير والعودة.

الصديق العزيز أبو إبراهيم

لن أُقدِّم لك مديح الظل العالي، ولن أتعاطى معك بالظنيَّات، فأنت في المشهد السياسي والنضالي الفلسطيني كادر وطني تحظى بالكثير من التقدير والاحترام، وجهدك لن تحجبه كلمات قلمي أو تُعليه، فأنت شخصية اعتبارية لها وعليها، وأنا بمعرفتي بك أُقدر مواقعك، ولقد سبق لنا أن التقينا في أكتر من منتدى وطني في إستانبول وأنقرة والقاهرة، من أجل صياغة رؤية وطنية لتحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، ولم أشهد عليك إلا مواقف أحسبها تجمع ولا تُفرق، وهي في الحساب الوطني نبضات نستقوي بها ونستعين.

أخي أبو براهيم

لم أعرفك خارج سياق المواقف الوطنية، حيث كنت حريصاً على توحيد الصف وجمع الكلمة ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وأعرف أنك لم تبخل في السر والعلن عن التواصل مع إخوانك في حركة حماس، بحثاً عن المشترك وسعياً لتخطي الأزمة في إطار الرؤية الشاملة للشراكة السياسية والتوافق الوطني، وهذه هي مساحة اللقاء التي جمعتنا في فضاء الوطن وخارجه.

أعرف أنك لست مبرءاً من كل عيب، وهناك ما نختلف حوله، وهناك الكثير من القيل والقال، ولكن كل ذلك لا يمنع أن يكون هناك أيضاً ما نلتقي عليه في فضاء الدائرة الوطنية، حيث يجمعنا من الأهداف ما يُمكننا أن نُعين بعضنا البعض، والأخذ بيد شعبنا إلى مثابة وطنية آمنة، نتجاوز على توافقاتها كل ما شجر بيننا، وأدى بنا إلى هذا المشهد الكارثي، الذي غدونا فيه نتسول كل شيء؛ من لقمة العيش إلى الموقف السياسي وقوة السيف!!

الصديق العزيز أبو إبراهيم

ربما واحدة من حسناتك الكثيرة أنك حافظت على "شعرة معاوية" مع الكل الفلسطيني، وابتعدت عن فحش القول وخطايا عثرات اللسان، ولم تباعد بينك وبين إخوانك في حركة حماس، بل تعمدت أن تُبقي رأس الجسر يلوح في الأفق إرهاصاً لجهوزية ما يمكن البناء عليه.

نعم؛ ما يزال الطريق طويلاً، ولكنه مملوء بالأمل ونسمات الريح، فشقشقات الفجر تتفتح معها الأزهار وتصحو همم الرجال، وعلى أكتافهم تنعقد الآمال وتتجدد.

نعم؛ أخي أبا إبراهيم، لقد أضعنا الكثير من الوقت في المهاترات، وسجلنا الكثير من الإساءات التي شوَّهت صفحات تاريخنا النضالي، وأذهبت ما كنا نعتز به من صداقات وطهارات ثورية، وتراجعت في السياق الوطني المواقف وتعاظمت بيننا الاتهامات!! ولكنَّ المأزق وانسداد الأفق برغم سوداويته ليس بدون ثغرات أو بصيص رؤية، فدائماً هناك طريق وسبل نجاة، فالسياسة تبدو أحياناً كبحر الظلمات، لا يكاد المرء فيه رؤية يده وتحسس أنفاسه، ولكن وشوشات الحياة لا تنقطع، ودروسها لا تتوقف، ومن أراد أن يتعلم السياسة فليقرأ التاريخ ويتبحر في صفحاته.

الصديق العزيز أبو إبراهيم

سعدنا بوجودك على رأس الحكومة، ولكن هذا لن يأتي بالإجماع الوطني الذي انتظرناه.. لقد كانت حركة فتح تقود مشهد النضال الفلسطيني، وكان ياسر عرفات هو عمود الخيمة، الذي حافظ على وجود الجميع داخل البيت الفلسطيني، حتى في الوقت الذي لم يكن فيه للإسلاميين الرغبة في دخول المشهد السياسي، حيث حافظ ياسر عرفات (رحمه الله) على التواصل معهم ومشاركتهم الموقف، ولو كان ذلك من باب الاستئناس، وكان لسان حاله يقول: "أنتم إخواننا.. ولن نترككم دون رأي أو مشورة".

اليوم، للأسف تهدمت الخيمة، ولم يعد هناك إلا أطلالها، فمن يلُّم شعثَ القبيلة والفصائل والوطن؟!

نعم؛ ستبقي غزة عصيَّة على التطويع تحت ضغط الحاجة، وها هي حركة فتح بتيارها الإصلاحي تنمو في القطاع ويشتد عودها، ولكنها الطبعة المعدلة لفتح التي تمردت على قيد التبعية والتطويع، لتتقارب خطوط تواصلها، وتشتد سواعدها مع التيار الإسلامي الذي سيشكل معها مستقبلاً أحد واجهات المشهد الانتخابي ضمن تحالفات الشراكة السياسية والتوافق الوطني؛ لأن السياسة - وأنت أستاذٌ لها – تحفظ في فضائها الواسع مكاناً للجميع.

أتمنى أن نستوعب الآن بأن حركتي فتح وحماس ليسا خطين متوازيين لا يلتقيان، كما اعتاد بعض المغرضين القول، بل هما خصمان يتنافسان مع الآخرين على مشهد الحكم والسياسة، وهناك متسعٌ للجميع للشراكة الوطنية، ويمكن أن تكون الانتخابات التشريعية القادمة فرصة ذهبية للإصلاح، حتى وإن لم يحدث التغيير بالشكل الذي يترقبه الشارع وتنتظره فصائل الكل الفلسطيني.

الصديق العزيز أبو إبراهيم

قد تكون حكومتك هي مدخل لإصلاح ما انقطع من تواصل بين أبناء الوطن الواحد، وفرصتها أفضل لتجاوز أخطاء من سبقها من حكومات، لاعتبارات الوعي والشعور بتهديدات وأخطار ما هو قادم، ولكن عليك يا صديقي أن تقارب بين القلوب، وأن تبذل الجهد لتوثيق عروتها والتقارب معها.

أين السيد أحمد قريع بتاريخه الطويل؟ وأين د. سلام فياض بكل ما له وما عليه؟! وأين د. رامي الحمد الله الذي طوت صفحته الأيام وغيبت ذكره، حتى قبل أن يعرف الشارع أين استقر به المقام!!

هذه هي دول الأيام يا صديقي، فاجعل من مواقفك صفحات رجولة تتذاكرها الأجيال، هناك الكثير من المظالم المتعلقة بتسوية رواتب الموظفين في قطاع غزة، وهناك مظلومية نواب كتلة الإصلاح والتغيير وآخرين ممن حُرموا حقوقهم بقطع أرزاقهم. مهام ومسؤوليات هي – بلا شك – كبيرة وتحتاج تسويتها إلى كثير من الشجاعة والعدل والإنصاف؛ لأن الظلم عاقبته وخيمة.

الصديق العزيز أبو إبراهيم

قبل أربع سنوات، كان لديك مشروعٌ طموحٌ لمراجعة مسار الحركة الوطنية منذ تاريخ ما قبل النكبة وحتى يومنا هذا، بهدف معرفة أين وقع الخلل؟ وكيف تراكمت الأخطاء وتراجعت قوة الفعل النضالي؟ وما هي الدروس والعبر المستقاة من مطويات أكثر من سبعة عقود مضت؟ في محاولة منك لتقديم رؤية وطنية للاستدراك والنهوض.. وقد تشجعت كغيري؛ لأن يكون لي "سهم خير" في وضع النقاط على الحروف، وكان الترتيب أن تجمعنا بيروت أو القاهرة لتكون خلاصة هذه الأوراق مقدمة ًلرؤية على طريق خلاصنا الوطني. ولكن - للأسف – لم نر ثمرةً لهذا الجهد، وظلت أسباب خيبتاً سراً مخفيّاً، ربما بانتظار أن يأتي جيلٌ قادم لتحريكه بقوة بأسه من صميم واقع اليأس القاتل الذي نتخبط فيه.
 

الصديق العزيز أبو إبراهيم

 

مع توافقنا جميعاً نحن الفلسطينيين على رفض "صفقة القرن"، وإدراكنا لمخاطر هذه الصفقة المؤامرة، إلا أننا لم نوفق للعمل معاً على التصدي لها، ولذلك ظلت مفاعيلها تنخر كالسوس لتصديع كل ما يمكن أن يجتمع لنا من بنيان مرصوص، فيما نحن كندَّاهة جوف الليل لا تسمع إلا وحشة ما يعود به الصدى!!

إن أبجديات إصلاح ذات البين هي التقاء أهل الشأن دونما شنآن، وأن تجتمع الأنداد على صعيد واحد وكلمة سواء، وما يتوافق عليه الجميع يكون ملزماً للجميع، وكل الملفات تطرح للحوار بدون محرمات، فطالما كان الموقف "شركاء في الدم شركاء في القرار" فلن يكون هناك من يزاود على أخيه في الوطنية، فالخيانة ليست وجهة نظر. 

الصديق العزيز أبو إبراهيم

أعرف أنك الأفضل من بين بطانة الرئيس؛ هيبة ومكانة ووطنية وأهلية علمية وقرار، وإن لك الكثير من العلاقة والود مع شخصيات وقيادات من حركة حماس بالضفة الغربية، وأن أبوابك غير مؤصدة في وجوههم، وهم خير جليس في سياق التوافق الوطني، حتى وإن تعقدت الأمور مع غزة، فهم خير من يأتيك بالأمان ويفتح لك باب التواصل والحوار. ولذلك، عليك ألا تفقد هذه الصداقة وأن تحافظ على هذه الثقة، وأن تجعل حبل الود معهم ممدوداً؛ لأنك ستجد نفسك اليوم أو غداً بحاجة إليه.

 الصديق العزيز أبو إبراهيم

لم تكن أول من وصل إلى كرسي رئاسة الوزراء، وربما لن تكون الأخير، وإن كانت إسرائيل ستتعجل شطب المشهد السياسي في الضفة الغربية، وتحريكه باتجاه التبعية للدولة اليهودية، التي يتنامى نفوذها ويتعاظم تأثيرها إقليمياً بشكل لافتٍ للنظر.

لن نقول لك أهلاً وسهلاً بك في قطاع غزة، فلقد سبق أن فرشنا النمارق واصطف حرس الشرف لمواكب د. رامي الحمدالله عندما جاء لزيارة غزة، واستبشر الناس الطيبين بالكثير من الخير، وشعرنا بنشوة قرب التئام الجرح والتشافي.. وفجأة؛ دخلت علينا مطالبات "التمكين"، وكأن غزة عروساً بالإكراه، وأن "جواز عتريس من فؤاده باطل"!! كما المشهد الدرامي في الفيلم المصري (شيء من الخوف).

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق