«بدنا نعيش» والصراع على الحيز العام

19 مارس 2019 - 07:19
مهند عبد الحميد
صوت فتح الإخباري:

المشاهد المتداولة على وسائط التواصل الاجتماعي من صور وافلام يوتيوب توثق قمع الاحتجاجات الشبابية في غزة مثيرة للحزن والسخط في آن. 
تلك الاحتجاجات التي اندلعت في محافظات القطاع في أعقاب رفع الأسعار والضرائب.  
فهذا فيديو ولمعتقلين معصوبي العينيين يرددون تحت التهديد «حمساوي ما يهاب الموت». ومشاهد لمسلحين يطلقون النار فوق رؤوس المحتجين، وآخرون ينقضون بالهراوات على المحتجين ملحقين بهم إصابات بين بالغة ومتوسطة. 
وصورة المواطن صلاح الطهراوي من سكان مخيم دير البلح تظهر عليه آثار تعذيب وحشية، وصورة أخرى للمواطن بشير البحيص تظهر عليه آثار تعذيب لا تقل وحشية، وصورة وصوت  سيدة محتجة تتحدث عن الاوضاع الخانقة وتقول: «حرام نقول آخ». 
وصورة وصوت لنساء يندبن بعد اعتقال ابناء وإخوة لهن «وصورة وصوت لشيخ يقول: بعت كل شيء ولا يوجد في بيتي إلا الملح. القمع طال صحافيين ومصورين وحقوقيين ممن حاولوا تغطية وتوثيق ما جرى، القمع طال طلبة داخل الحرم الجامعي عبر اقتحام رجال الامن لجامعة الازهر واعتقال 5 طلبة، وأظهرت سلطة حماس عزمها على قمع وترهيب المحتجين ومنعهم بالقوة وارسال رسالة ترهيب الى ابناء قطاع غزة تحذرهم من مغبة الاحتجاج والتمرد على سياساتها التي لم تعد تطاق. القمع الحمساوي دفع المنسق الخاص للأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف لإصدار بيان قال فيه: «أدين بشدة حملة الاعتقالات والعنف التي استخدمتها قوات الأمن التابعة لحركة حماس ضد المتظاهرين، بمن فيهم النساء والأطفال، في غزة خلال الأيام الثلاثة الماضية».
لا شك أن ما حدث في غزة له أكثر من قراءة، فالقمع الوحشي يؤكد حرص حركة حماس على قمع الاحتجاج وإنهائه بأسرع وقت ممكن. لتأكيد سيطرتها دون شراكة ورقابة مجتمعية. السلطة هي ثنائية راعي يقرر ويحكم، ورعية تسمع وتطيع وتنصاع. وفي ظل هذه الثنائية يحظر الاحتجاج والمطالبات بالتغيير والتحسين. وكما رفضت حركة حماس المشاركة في إطار المنظمة والسلطة إلا في حالة سيطرتها على المؤسستين، ترفض مشاركة المجتمع لسلطتها. يضاف إلى ذلك، أن حركة حماس تنتمي إلى ذلك اللون من السلطة الدينية، فيصبح رفض المشاركة مطلقا لأنه سيدخل في ثنائية المؤمن الذي يمتلك الحقيقة والشرعية وغير المؤمن المرفوض، وتتكرس بذلك علاقة الأمير ورجل الدين ورجل السلطة بالرعية.  
في الأيام الثلاثة التي خلت، تلاشت مرونة حماس التكتيكية حول الحريات والنقد والشراكة السياسية والمجتمعية، وهي الحركة التي أبدت براغماتية سياسية قل نظيرها، في زعمها أنها اصبحت مستقلة عن تنظيم الاخوان المسلمين، وانها حركة تحرر وليس تنظيما دينيا، واعترفت بحدود اسرائيل دون الاعتراف بإسرائيل، واعترفت بالبرنامج المرحلي السياسي في الوقت الذي احتفظت به بالبرنامج الديني الجذري. 
وقايضت صفقة القرن في فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وابرمت علاقات تعاون مع الدولة المصرية التي أخذت على عاتقها شطب الاخوان المسلمين من المشهد السياسي المصري. وأشركت التنظيمات الاخرى في مسيرات العودة التي تتحكم بالكامل في غاياتها واستخداماتها. 
العنصر الاهم في حكم حماس هو علاقات السيطرة، وبخاصة السيطرة على الشعب، ونموذج السيطرة المثالي هو الالتفاف الجماهيري الطوعي والرغبي، ولم تجد حماس أفضل من سلاح المقاومة في مواجهة احتلال يدمر مصالح السواد الاعظم من المواطنين، كوسيلة ناجعة لجذب التأييد والدعم والتعاطف الشعبي، وكان العنصر الثاني الذي اعتمدت عليه حماس هو فشل السلطة وفسادها وتنسيقها الأمني مع دولة الاحتلال.
وباستخدام هذين العاملين وبالاخص سلاح المقاومة السحري نجحت حماس في تغطية كل جور واستبداد وظلم وتفرد وفشل بأيقونة المقاومة. 
وعندما انتقل استخدام حماس لسلاح المقاومة، من استرضاء المواطنين وجذب تأييدهم وتعاطفهم لانشاء وتأسيس حكمها، إلى تثبيت ذلك الحكم عبر إبرام صفقة الهدنة مع دولة الاحتلال مقابل الاقرار بسيطرتها، والتي تشكل حلقة من حلقات صفقة القرن الترامبية. 
هذا التبدل أزال الغموض عن استخدام سلاح المقاومة لدى فئات واسعة ومتزايدة من المواطنين الذين نضب احتمالهم للأعباء المترتبة على حكم حماس. 
وكان من الطبيعي أن يبدأ الانفضاض على وقع الأزمات الطاحنة التي عاشها المواطنون، والذين بدؤوا برفع الصوت والتحرك، الى ان جاءت سياسة رفع الاسعار والضرائب لتدفع الناس الى الاحتجاج تحت شعار «بدنا نعيش». 
وجاء القمع الحمساوي السريع والوحشي ليقطع الطريق على التحول، تحت شعار ان هذا الحراك الشبابي «مؤامرة» ضد المقاومة، محاولا تجاهل ذلك التحول في استخدام السلاح السحري المسمى مقاومة، والتغيير المتبادل بين حماس والجمهور العريض في التعاطي مع ذلك السلاح. 
كانت مسيرات العودة محطة مهمة في سيطرة حماس على الحيز العام ومنع الجماهير من التعبير عن معاناتها ومطالبها ونقدها ومن المشاركة في الشؤون العامة الوطنية والمعيشية. كانت مشاركة عشرات الالاف وصولا إلى المئات في مراكز حدودية، هي بداية المشاركة الجماهيرية في طرح الازمة الداخلية ومع الخارج على بساط البحث. لكن سلطة حماس كانت بالمرصاد وعملت منذ البداية على قطع الطريق على ذلك التحول الذي يطرح قضية الحصار بما هي قضية وطنية ويطرح الشؤون العامة كالحريات والانقسام والازمة الاقتصادية والديمقراطية والفشل والفساد. 
برعت حماس في قطع الطريق على التحول المأمول وذلك عندما حولت المسار الشعبي من مسار سلمي يشارك فيه مئات الالاف في المحصلة الاخيرة، الى مسار تصادمي مع قوات الاحتلال بمعادلة جديدة، صدور عارية مقابل رصاص وخسائر من طرف واحد، وتهديد باقتحام الحدود وما ينطوي عليه الاقتحام من مجازر من طرف واحد، واستخدام الخسائر والتهديد بزيادة الموت الفلسطيني في المساومة على هدنة وتثبيت الحكم الحمساوي ومحاكاة السياسة  الاسرائيلية بفصل الضفة عن القطاع.  
لقد خفضت حماس المشاركة الجماهيرية الى الحد الادنى الذي يسمح ببقاء التفاوض. ونجحت في إقصاء المشاركة الجماهيرية الواسعة، وبقي الحيز العام تحت السيطرة والتحكم.  
نجاح حماس في استبقاء السيطرة على الحيز العام، يعود الى انخراط القوى السياسية وبخاصة القوى اليسارية والمستوى الثقافي الاكاديمي في المسار الذي حددته حركة حماس بالتمام والكمال، مشكلة الغطاء السياسي والتنظيمي والاعلامي لسيطرة حماس على الحيز العام، وذلك عندما اعتبرت حركة حماس ان مشاركة القوى هي البديل عن مشاركة الفئات الشعبية الواسعة. ومن المعروف ان دور المثقف وقوى التغيير لا يرتبط فقط بالمعارف والفكر وحسب وانما يرتبط   بمشاركته الجماهير في الحيز العام، وفي التغيير من خلاله. 
وطالما لا تستطيع قوى التنوير والديمقراطية واليسار التواجد والعمل في الحيز العام وانتزاع اجزاء منه طالما بقي نظام الحكم المستبد مسيطرا.
[email protected] 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق