الديمقراطية من «برا»

18 مارس 2019 - 07:41
عاطف أبو سيف
صوت فتح الإخباري:

دخل العامل الخارجي على عمليات التحول الديمقراطي بعد نضج نظريات التحول ومع شغف بعض القوى الكبرى في التدخل لأهداف مختلفة. 
ارتكزت التحولات الديمقراطية تاريخياً على العوامل الداخلية خاصة أن جوهر العملية الديمقراطية يتعلق بحكم الناس لبعضهم البعض بوصفهم مواطنين أحراراً في اتخاذ قراراتهم، وعليه فإن أي تأثير على وصولهم لتلك القناعات من خارج إرادتهم يشكل نفياً واضحاً لتلك الإرادة ومساساً خطيراً بطبيعة تشكلها. 
لم يكن من الممكن تخيل حالات تقوم إرادة خارجية عبرها بفرض إرادة على مواطنين أحرار بغية إقناعهم بممارستهم حريتهم. 
وعليه فإن جوهر عمليات التحول الديمقراطي مشتق من جوهر اكتساب العملية الديمقراطية وظهور الحاجة لها، إنها الحاجة التي ظهرت أكثر من نزوع البشر لتنظيم حياتهم وعلاقاتهم للانتقال من عالم الطبيعة غير المنظم أو ربما عالم الغاب بعبارات البعض إلى عالم التكوين السياسي. 
ومع الوقت بات تنظيم هذه العلاقات يتطلب توفر حدود وقوانين تجعل من تلك الممارسة بقدر كونها حقوقاً فردية عملية جماعية متكاملة لا يتم خلالها انتهاك حق تنظيم الحياة الجماعي. 
ولم تكن التشكيلات الأولى للمجتمعات بهذا النضج الذي حاولت ربما النظرية أن تصوره في بحثها عن مسوغات لآليات تشكل المجتمعات التي بتنا نعرفها، وربما أن حصر البحث التاريخي في تطور النظرية في العالم الغربي حيث نشأت الكتابة عنها ومحو الكثير من خبرات الشعوب الأخرى يكشف الكثير الكثير من جوانب قصور التأريخ الفكري. 
عموماً هذا نقاش آخر لكن من المفيد تذكر كيف كان ارتكاز النقاش دائماً على المفاعيل الداخلية اشتقاقاً من الحالة الطبيعية لتطور المجتمعات. 
ومع ظهور النقاش النظري حول سبل انتقال المجتمعات من وضع غير ديمقراطي يوصف بالتسلطي والديكتاتوري والأبوي وما إلى ذلك إلى وضع ديمقراطي ظهرت جوانب أخرى من النظرية التي بحثت في مفاعيل جديدة. 
ظهر النقاش بقوة كبيرة خلال عمليات التحول في أميركا اللاتينية وربما عرفت نظرية التحول في جوانب كثيرة منها بالدراسات اللاتينية في العلوم السياسية أي تلك المتعلقة بالقارة الجنوبية خاصة في مرحلة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. 
وكان الجانب الأكبر من مفاعيل هذا التحول يركز على تحالفات النخب وتصاعد مطالب القواعد الشعبية المحتجة على الأوضاع غير السوية، وفي مرات تحالفات بين قوى حاكمة تريد الحفاظ على مؤسسات الدولة مثلما يكون الأمر بتمرد بعض قوى الجيش وتدخل الأخير لصالح حماية الدولة من خلال دعم مطالب القوى الثائرة. 
الكثير من النقاش ركز على أن عملية التحول تحصل داخل المجتمعات التي تصبو إلى الديمقراطية، وربما أن نجاح بعض تجارب أميركا اللاتينية كان مشجعاً على النظر العملي الساعي إلى اشتقاق أطر نظرية في سبل انتقال المجتمعات من حالة إلى حالة. 
وحين يتم الحديث عن موجات الديمقراطية يتم تبجيل تلك الحالة التي سعت فيها الشعوب إلى التخلص من حالة القمع ودفعت أثماناً باهظة مقابل ذلك. 
بل إن بعض التجارب شهدت نكوصاً وتراجعاً بعد ذلك إذ إن القوى المتضررة من عمليات التحول نجحت في قلب الدفة وتغير الوجهة والعودة إلى صدارة المشهد. 
أيضاً تجارب أميركا اللاتينية كانت لافتة في كل ذلك وقدمت دروساً مهمة لا يمكن تجاوزها في هذا السياق. 
خلال تلك العملية كانت هناك عوامل خارجية من المؤكد ساهمت عكساً في بعض الحالات في نسف جهود التحول الديمقراطي. 
والإشارة هنا إلى الدور الذي قامت به الإدارة الأميركية في دعم النظم الديكتاتورية لمنعها من السقوط أمام رغبة الجماهير. 
وللمفارقة فإن تمظهرات السياسة الخارجية الأميركية فيما يتعلق بالتدخل لصالح الديمقراطية أخذت شكلها النهائي في تلك الحقبة من ثمانينيات القرن الماضي وهي فترة الرئيس ريغان. 
وفي نفس الوقت بدأ الحديث النظري حول العوامل الخارجية في عمليات التحول الديمقراطي يظهر بشكل كبير خاصة على أيدي الدارسين الأميركيين الذين درسوا التحول في أميركا اللاتينية قبل عقد ونصف العقد من ذلك التاريخ أمثال شميتر وأدونيل وويتهيد وغيرهم من المختصين. 
لكن للمفارقة أيضاً فإن تدخل الإدارة الأميركية كان سلبياً وساهم في عودة بعض النظم الحليفة المنتهكة لكل القيم الديمقراطية والعاملة على سلب إرادة شعوبها. 
لكن هذا لم يمنع البحث النظري عن محاولة تأصيل كيف يمكن للقوى الخارجية أن تساهم في عمليات التحول الديمقراطي بشكل أو بآخر. 
تعمق الحديث أكثر إثر التحولات الديمقراطية في وسط وشرق أوروبا مع سقوط جدار برلين وانهيار المنظومة الشرقية. 
فجأة بدأت الدول الأوروبية شرق جدار برلين تتحول إلى ديمقراطية فتية بعد اضطرابات وصراعات كان بعضها سهلاً وربما أغلبها لم يشهد الكثير من الصعوبة وإن كان البعض يعاني وفق معايير الديمقراطية حتى اللحظة من بعض الاختلال لكن في المحصلة حدث التحول. وربما بعيداً عن كل الأطر النظرية فإن العوامل الخارجية كانت الأكثر تأثيراً في عمليات التحول تلك خاصة الرغبة المحمومة في الخروج من حالة الفقر والتراجع الاقتصادي تحت النظم غير الديمقراطية واللحاق بالجيران الأثرياء في أوروبا الغربية. 
كان نموذج الاتحاد الأوروبي ومستويات الرخاء التي وصلت لها الدول الأعضاء في نادي بروكسل والانتقالات السريعة في اقتصادياتها. هذه الرغبة وتوفر النموذج شكلت الدافع القوي وراء سعي المواطنين للتمرد على النظم الفاشلة. مثلاً شكلت معايير كوبنهاغن لقياس مدى ملاءمة الدولة المتقدمة لعضوية الاتحاد الأوروبي من دول وسط وشرق أوروبا علامات نجاح للقول إن تلك الدول تأهلت لمستوى الديمقراطية الثابتة وبالتالي تستحق أن تنال عضوية الاتحاد. نظريات كثيرة حاولت تأطير تلك التأثيرات الخارجية التي استمدت من توفر "الحوافز" وبالتالي "العدوى" إشارات مباشرة لحدوثها، ليبقى السؤال حول توفر النموذج والحافز جوهرياً في الحديث عن العامل الخارجي، إذ في حال غيابه يبقى السؤال مشروعاً حول إمكانيات حدوثه. 
لكن المؤكد، مع غيوم الشك، أن السياقات الخاصة بكل مجتمع وبكل دولة تنتج وحدها شروط التحول فيها. والسؤال التالي، لمقال قادم: لماذا لم ينجح هذا في التجربة العربية؟

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق