حركة "فتح" في عصر التنظيم المفتوح

30 يناير 2018 - 11:36
اعداد الباحث: خالد غنام أبو عدنان
صوت فتح الإخباري:

التنظيم السياسي الثوري عبارة عن تكتل مغلق لمجموعة من الأفراد يشتركون بالإيمان بمبادئ ويعملون لتحقيق أهداف، ويكون لهم قانون يحكم العلاقات الداخلية ويحدد طرق الاتصال فيما بينهم. وتبدأ الاتصالات في التنظيمات الثورية عبر ما يعرف حلقة الاتصال في هيكلية متسلسلة، فلا يعرف العضو إلا شخص واحد يكون حلقة الوصل بينه وبين التنظيم، ثم يتم بناء الشكل السري وانفتاح العضو على مجموعة صغيرة لا تتجاوز عشرين شخصا ضمن ما يسمى خلايا العمل، ويكون جميع الأعضاء متساوين بالرتب التنظيمية على أن يكون المسؤول عنهم أمين سر الخلية وهو حلقة وصل بينهم وبين الأطر الأخرى بالتنظيم. ومن أهم مسؤولياته البريد التنظيمي وهي الطريقة المثالية للمراسلات الداخلية بين أبناء التنظيم الواحد ولعل أهم ما يصل للخلية عبر البريد التنظيمي ردود الأطر العليا على محاضر اجتماعاتهم وكذلك انتقادات الأخطاء التنظيمية بقصد تصويبها والدعوة للمشاركة بفعاليات عامة وأيضا التعاميم التنظيمية والسياسية، كما أن هناك بريداً خاصاً يكون لعضو واحد ولا يطّلع على فحوى الرسالة باقي الأعضاء وأحيانا لا يطّلع أمين سر إطاره عليها. هذا كله ضمن وجود هيكلية هرمية لتنظيم مغلق له قيادة تمايز بين حق ابن التنظيم أن يكون له خصوصية معرفية وبين أنصار التنظيم من الجماهير الشعبية وفق نظرية التنظيم المغلق.
إلا أن علم الاتصالات تطور بشكل غير مسبوق خلال العقدين الماضيين وأخذت الكثير من التنظيمات الثورية تعدل على نظرية التنظيم المغلق حتى باتت أغلب التنظيمات الثورية تُصنَّف بأنها تنظيمات مفتوحة وقابلة لتحول وفق رغبات الجماهير سعيا منها لتوسيع دوائر الاستقطاب وزيادة شعبية تنظيماتهم. فهي تدعو لتحرير العمل الثوري من الانضباط العسكري والاقتراب أكثر لنهج المنظمات غير الحكومية، في مفهوم العضو المتحرك وليس مهما هيكلية التنظيم وعدد أعضائه بل عدد من حضر بفاعلية محددة، بل أن هناك منظمات عدّلت اسمها واقتصر اسمها باسم فاعلية واحدة تقوم بها بشكل دوري. ولا يمكن إنكار أن فكر التنظيم المفتوح فرض نفسه كواقع مستحدث على حركة "فتح"، تعود بداياته إلى عام 1968 بالأغوار الأردنية. إلا أنه أخذ شكله الأكبر بعد تشكل السلطة الوطنية الفلسطينية.
فكرة التنظيم المغلق تعتمد أساساً أن عضو التنظيم هو نوعية خاصة من المناضلين تسمى الطلائع الثورية، يتم تدريبها لتكون ثورية شمولية، أي العضو الواحد يتمرّن على حمل السلاح وتعبئة الجماهير والبحث عن مصادر التمويل والتنظير السياسي، واستقطاب أنصار جدد، إنه وحدة نضالية متكاملة قادرة على أن تشكل نواة جديدة للتنظيم في أي مكان يتواجد فيه. أما التنظيم المفتوح فهو الذي يؤمن بالاختصاص والأجهزة ويعتمد على نظرية حرب الشعب طويلة الأمد كهيكل عام أما داخله فهو مهلهل مائع وغير متجانس، فهو يدفع الأعضاء نحو العمل والممارسة، كما أنه يطرح تعلم فنون جديدة بالاعتماد على الخبرة الميدانية لا على التثقيف الحزبي. إلا أن هيكليته صعبة الانضباط ولا تعتمد على الانتخاب بل على الكفاءة المهنية والشعبية الميدانية. أما التداخلية بين التنظيم المغلق والمفتوح فتأتي من الثورة الكوبية التي ابتدعت ما يُسمى أبناء التنظيم الثوري وهم عموم القوى المناضلة بالحرب الشعبية بما فيهم أعضاء التنظيم، الذين يمتلكون نظاماً مغلقاً خاصاً بهم، إلا أنهم لا يمتلكون أي صلاحيات إضافية كونهم أعضاء تنظيم.
لقد شكّلت معركة الكرامة حدا فاصلا بين ماضي حركة فتح كتنظيم مغلق وتحولها السريع لتنظيم مفتوح جعل أعضاء تنظيمها يذوبون داخل أبناء التنظيم الجدد والذين كان عددهم عشرات أضعاف عدد أعضاء التنظيم قبل معركة الكرامة، ومجرد الحديث عن الفكرة المشتركة التي تجمعهم فهي تدريب على حمل السلاح واسترداد الأرض المحتلة، أما الثقافة التنظيمية والفكر السياسي فلم يكن له البريق الجاذب لاستقطاب الجماهير المهزومة والتي تبحث عن أسلوب عملي لإزالة آثار الهزيمة. وهذا لا يعني أن جميع من انضموا لمعسكرات حركة فتح كانوا مجرد لاجئين بسطاء ليس لهم فكر سياسي، بل أن البندقية كانت ما يجمعهم، فلقد كان المنتسبون من كافة الأطياف السياسية والمذاهب الفكرية، مما جعل الانتماء لحركة فتح لا يعني التخلي عن الانتماء لتنظيمات سياسية أخرى مثل حزب البعث وحركة الإخوان المسلمين، وهما أكثر المناهج الفكرية التي أدخلت فكر العمل المؤسساتي وعدّلت فكرة التنظيم الشعبي لماو تسي تونغ وفكرة الحرب الشعبية لجيفارا لتصبح لها خصوصية فلسطينية صعدت من مجرد بناء مؤسسات ثورة لتبني فكرة حكومة بالمنفى على الطريقة اللينينية، فقد شملت العمل العسكري والنقابي والخدماتي والسياسي وأيضا الإعلامي.
وبما أننا نذكر فكرة لينين لمفهوم حكومة بالمنفى، فلابد أن نوضح أنها فكرة مستبدة لصناعة الشرعية السياسية والتمثيل الرسمي من خلال سيطرة التنظيم الأقوى على كافة المناصب الرئيسة وإجبار التنظيمات الثورية الصغيرة لقبول وصاية التنظيم الأكبر على الشرعية السياسية الممثلة لثورة. وهي فكرة استخدمها اليسار الفلسطيني بوصف حركة فتح بالطبقة البرجوازية المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية، رغم أن الحقيقة التاريخية تؤكد أن قضية الممثل الشرعي والوحيد هي قرار من الجامعة العربية لإلغاء الوصاية الأردنية على الضفة الغربية ومنطقة القدس المحتلتين، ثم أخذت الشرعية الفلسطينية أبعادها بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. وهناك أكثر من مبحث أكاديمي درس الديموقراطية الشعبية في المجلس الوطني الفلسطيني ولكنها كلها أجمعت أن تحميل مسؤولية ضعف الانتخاب المباشر لعضوية المجلس الوطني الفلسطيني تعود لرفض الدول العربية أي انتخابات تمثيلية للفلسطينيين في بلادهم، ولعل هذه الظاهرة تكررت في سوريا والكويت والأردن في السبعينات وهي التي جعلت الديموقراطية الفلسطينية توافقية وتعتمد على نفوذ الفصائل والتنظيمات السياسية أكثر مما تعتمد على النقابات واللجان الشعبية، كما أن توجه حركة فتح بتبني مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وأحياناً اعتبار مؤسساتها هي مؤسسات الثورة الفلسطينية مما يعني أن أجهزة حركة فتح تعمل من خلال غطاء منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا الاتجاه قلل من أهمية المؤسسات الحركية ليس لحركة فتح وحدها بل لكل التنظيمات السياسية المندرجة تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية.
أما موضوع التحرر الفكري للأعضاء فقد تدرج لمراحل متتابعة وصلت إلى حد القطيعة مع النظام الأساسي للحركة أو اعتباره الفيصل في حال فشلت الحلول الأخرى. وهذه القضية تستند أساساً لمفهوم العضو المتحرك التي كانت سبباً رئيساً للصراعات الداخلية في أطر الثورة الفيتنامية لتحديد لمن ينتمي العضو؟ ومن يحاسب من؟ وما هو قانون الثورة؟ وهل يحق للعضو الانتقال من تنظيم لآخر، وعلى حد وصف وثيقة الشرف التي أقرها هوشي منه وصاغها الكابتن جياب، تم اعتبار العمل الفدائي المسلح فرضاَ على كل الشعب الفيتنامي حتى لو لم يتبنَّ أي فكر سياسي، بالمقابل يكون واجباً على مؤسسات الثورة تقديمُ الخدمات لكل فئات الشعب حتى لو لم يكونوا من أنصار الثورة، والمبدأ الأخير هو حرية النقاش وديكتاتورية التنفيذ وعلى الأقلية احترام رأي الأغلبية، وأن التصويت على القرار يلزم الجميع بنتائج التصويت وخصوصا الأقلية التي صوتت ضد القرار. وبالتأكيد أن حركة فتح تبنت فكرة هوشي منه عن العضو المتحرك وفتحت مؤسساتها لعموم الشعب الفلسطيني وأنصار الثورة الفلسطينية من العرب والعجم، ولم تفرض على العاملين في مؤسسات الثورة أن يكونوا مسجلين في عضوية تنظيم سياسي معين، وهي خطوة فتحت المجال واسعاً لظهور فئة ثورية سميت بالمستقلين، وكان الهدف الأولي هو إلغاء فئة الأعيان والوجهاء الذين فرضهم الملك حسين على منظمة التحرير الفلسطينية أثناء رئاسة أحمد الشقيري لها، للموازنة بين التيار الأردني الهاشمي والتيار العروبي الناصري.
إلا أن فئة المستقلين لم تقتصر على النخبة المثقفة والتجار الوطنيين، بل شملت مقاتلي وموظفي المكاتب والأجهزة، فكان تنافس الفصائل في انتخابات المؤسسات والنقابات يرتهن بكسب ود فئة المستقلين، وظهر مصطلح مستقل مقرب من فتح أو مستقل إسلامي وغيرها من تصنيفات إلا أن أصعب المستقلين هم من كانوا ينتمون إلى تنظيم سياسي بالسر ولكنهم بالعلن مستقلون محايدون، وهي من ألعاب الثورة التي تعود إلى فكر زاباتا عن الأذن الثالثة للتنظيم السياسي، وقد رفضتها أغلب الثورات المعاصرة، إلا أن ثوار تيمور الشرقية اعتبروها أساسية في حال أن شعبية التنظيم انخفضت فلابد من سرقة أعضاء التنظيمات الثورية الحليفة، ولعل دارس فكرة الأذن الثالثة فلسطينيا، يجد أنها كانت ظاهرة تتكرر بالساحة الفلسطينية وهناك أسماء قيادية انتقلت من تنظيم إلى آخر عن طريق الأذن الثالثة، بل أنها السبب الحقيقي وراء ضعف الأمن الداخلي في معسكرات ومكاتب الثورة الفلسطينية فكل الفصائل كانت تدرب أعضاءها على التنظير السياسي والاستقطاب التنظيمي دون اتباع منطق جيفارا لحماية العضوية والمعروف باسم أيتام الثورة، ولقد تم تسميتهم بذلك الاسم شفقة عليهم، حيث أنهم وجدوا إهمالاً وعدم متابعة من تنظيمهم مما جعل إيمانهم بفكر تنظيمهم ضعيفاً، ثم تم خطفهم من تنظيم ثوري آخر لكن بعد نجاح عملية الخطف لم يتم التعامل معهم بالمساواة مع أعضاء تنظيمهم الجديد، وبقي هناك هاجس أن يكونوا أذناً ثالثة لتنظيمهم القديم، إلا أن الثابت أن أيتام الثورة هم فئة ثورية مستقلة تنتقل من تنظيم إلى آخر وتقوم بكل واجباتها ولكن حقوقها مهضومة بحجج واهية.
ويدرّس الإقصاء السياسي ومراكز القوى ضمن مفهوم التحرر الفكري المخالف للنظام الأساسي أو دستور الثورة في التنظيمات اليسارية، وهما أخطر الأمراض الهيكلية التي قد تصيب الثائر داخل التنظيم، فالإقصاء السياسي حسب شروحات تروتسكي يكون ضد الأقلية العنيدة الرافضة لرأي الأغلبية وتعمل على فرض قرارها بطرق ملتوية، وشرحها سينيوراتن بأنها انتصار الظلم على نمور التاميل، وبما أن أغلب الثورات استطاعت استئصال الأقلية الرافضة باستثناء نمور التاميل تكون شروحات تروتسكي هي المعتمدة في تصنيف الإقصاء السياسي بأنه بتر إجباري لجزء من الثورة، كما حصل مراراً وتكراراً بالساحة الفلسطينية وهي ما سمي بالانشقاقات داخل التنظيم السياسي مثل الجبهة الشعبية وحركة فتح، ولعل تعبير كاسترو يكون حاسما عندما أكد أن التنظيم السياسي بحاجة لتطهير كل عشرة أعوام من كل الشوائب التي عكّرت الانسجام الداخلي، وهذا ما يسمى اصطلاحاً الحفاظ على الوحدة الفكرية للتنظيم السياسي، لذا فإن الإقصاء السياسي يكون مطلباً نخبوياً في بدايته إلا أنه يتحول إلى غضب عارم يكتسح قواعد التنظيم وقد يؤدي إلى اقتتال داخلي كما حدث في حرب المنشقين على حركة فتح.
وإذا ما تعمقنا في فهم ما يطرحه ممن مورست عليهم عمليات الإقصاء السياسي فهي مختصرة بأن هناك مراكز قوى داخل التنظيم السياسي هي من يسيطر على قرار التنظيم ويجعل الديموقراطية شكلية أثناء عمليات التصويت والاقتراع مما يعني أن هناك نفوذاً غير قانوني لبعض القيادات تجعل الأعضاء غير قادرين على التعبير عن وجهة نظرهم الحقيقية خوفاً من عقوبات قد يتعرضون لها. إلا أن مراكز القوى داخل الثورة ليست كلها سيئة بل البعض منها يكون بديلاً للقائد الملهم وتكون ميزاناً عادلاً للقرار الجماعي، ولعل الفكرة الأساسية فيه تعتمد على شعبية القائد المميز، ووصفها جيفارا بأنها استحقاق لابد من قبوله وهو الجزء المركزي من القرار الديموقراطي في شروحات الديموقراطية المركزية، ويضيف جيفارا بأن المعلومة على قدر الحاجة وأن القيادة التنظيمية هي السلة التي تتجمع بها كل المعلومات لذا فلا يمكن أن يكون تصويت عضو قيادي مثل تصويت عضو قاعدي داخل المؤتمر لأن العضو القاعدي سوف يتأثر بالعضو القيادي لإيمانه أنه يعرف معلومات أكثر منه، فهي ليست قضية مراكز قوى بل مسؤولية يتوجب على العضو القيادي أن يراعيها أثناء التصويت.
وفي الساحة الفلسطينية عرفت بنظرية شدّ الحبل أي أن الأعضاء ينتظرون القائد ليرفع يده للتصويت ثم يرفعون أيديهم وكأنها مربوطة بحبل موصول بيد القائد الملهم لديهم. وهناك نظرية كارت بلانش التي تمنح بعض القيادات وأحيانا كوادر وسطى صلاحيات غير محدودة خارجة عن المراقبة التنظيمية إلا أنها مرتبطة بأحد أركان القيادة العليا للتنظيم، ومعنى كارت بلانش دارج بالثورة الفلسطينية على أنه عضو عصي عن المحاسبة، لكن المعنى الحقيقي له أنه عضو له مهام خاصة، وبين شفافية المحاسبة وسرية المهمة يثار جدل كارت بلانش. وقد بيّن ماو تسي تونغ أن العضو يكون عرضة لمخاطر جمة إذا ما كان مكلفاً بمهمة خاصة وأكثرها خطورة وهو شكُّ أعضاء مجموعته الذين لا يعرفون مهمته، ويطالبونه بضرورة تنفيذ المهام الجماعية للمجموعة، إنه عضو فدائي يقدم مصداقيته الثورية على انتمائه لمجموعة العمل الجماعي، ومهما كانت نظرة الآخرين له يبقى هو أكثرهم تفهماً لشكهم فيه لأن نقاءه الثوري عالٍ جداً.   
كما أن الانفلاش والتجنح يُدرّس ضمن مفهوم التحرر الفكري المخالف للنظام الأساسي أو دستور الثورة في التنظيمات اليسارية وهي من أكثر الأمراض التي تعرضت لها الثورة الفيتنامية وتسببت بتصفية العديد من الكوادر لأسباب داخلية، ورغم أن الحديث بهذا الموضوع يكون من أسرار التنظيم السياسي، وعادة لا يظهر للعلن منها إلا الشيء القليل بسبب صعوبة رصد هذه الأحاديث الجانبية، أو كما وصفها كاسترو بالكلمات السامة التي تحول الثائر إلى انسان انتهازي يغلب طموحه الشخصي على الوحدة الفكرية للتنظيم السياسي، كما نعتها جيفارا بالموت البطيء للروح الثورية داخل ثائر، ولها توصيفات متعددة لعل أحدثها خيانةُ الذات في فكر نمور التاميل.
أما هوغو شافيز فقد عدّل عليها الكثير واعتبر أن المصطلح بحاجة لشروحات جديدة بسبب التطور في علم الاتصالات وانفتاح الهيكلية التنظيمية في مواقع التواصل الاجتماعي. وهنا لابد أن نقرِّب مفهوم شافيز للانفلاش وما هي العقوبة المتوخاة منها ضمن فهم معمق لمبدأ علانية الأفكار وسرية الانتماء، فالانفلاش ضمن مفهوم لينين عبارة عن تسريب معلومات من التنظيم إلى جهات أُخرى، وأضاف تروتسكي قد يكون الانفلاش تسريب لمعلومات من مجموعة إلى مجموعة أخرى داخل التنظيم الواحد، فهي إذن تسريب معلومات سرية من محضر اجتماع تنظيمي، وهنا يوضح شافيز أن أكثر من 90% من محضر الاجتماع التنظيمي في الحزب السياسي علانية وهي تدخل في مفهوم علانية الأفكار أكثر مما تكون تسريب معلومات سرية مرفوض تداولها خارج الاجتماع التنظيمي، وبالتالي فإن الانفلاش لابد أن يقيس درجة الضرر من تسريب المعلومة وهي بالعصر الحديث صعبة للغاية، حيث أن الأعضاء الحزبيين متعودون على الاجتماعات المفتوحة والأطر كبيرة العدد، وأحياناً لا يكون كل الأعضاء الحاضرين للاجتماع التنظيمي يعرفون بعضهم معرفة عميقة، ودون أن يكون تعريف شافيز سليما في التنظيمات الثورية العلانية، فلم تعد فكرة الانتماء لتنظيم ثوري تهمة يعاقب عليها الأعداء وعلى الأقل في فلسطين لم يعد الانتماء لإحدى التنظيمات السياسية تهمة يعاقب عليها باعتقال من قبل قوات الاحتلال أو الأجهزة الأمنية بالدول العربية. فعلانية الآفكار والانتماء وسرية فقط بعض المعلومات من محضر الاجتماع تكون منهج هوغو شافيز في تعديل كبير لمفهوم الانفلاش التنظيمي، وبالتأكيد أن مواقع التواصل الاجتماعي جعلت قضايا ضبط اللقاءات بين أبناء التنظيم السياسي الواحد صعبة لدرجة يصعب معها تحديد ما هو مسموح وما هو ممنوع التدوال، بل أن شافيز أقر أن أي معلومة ممنوعة من التداول خارج الاجتماع التنظيمي لابد أن يتم تسجيلها وقراءتها مرة أخرى والطلب من كل الأعضاء الحاضرين التوقيع على التعهد أن هذه المعلومة ممنوعة من النشر.
وفي مسألة غاية في التعقيد تناقش بالأوساط الفكرية لتجديد معنى التجنح داخل التنظيم في عصر التنظيم المفتوح وكيفية ضبط الاتصال بين القيادة التنظيمية والأطر القاعدية دون المرور بالكوادر الوسطى وأحياناً بتآمر مع بعض الكوادر الوسطى. فمن الناحية الفلسفية البحتة هي الحد الفاصل بين الاتصال الداعم لقرار الثورة والنزعة الانتهازية لدى بعض القيادة التي تسعى لصناعة أزلام لها داخل الأطر التنظيمية كما شرحها ريجي دوبريه. وعدّل المفهوم الحديث لها أوغباكورن عندما صنّف بعض الاتصالات المباشرة لبعض القيادات بأنها تدخل ضمن إطار شرح قرار الثورة فليس كل اتصال يضر بالثورة، وأحيانا يكون دافعاً لتقوية الولاء للثورة.
 أما مفهوم شافيز للتجنح فهو رغبة البعض من استخدام طرق ليبرالية لفرض تعديل على قرار التنظيم السياسي، فالأحزاب الليبرالية الحديثة تطرح الفكرة الممتدة من الأطر القيادية إلى القاعدة وحتى خارج الحزب السياسي، ومثال على ذلك فإن القرار الذي يسقط بالتصويت لا يُعتبر لاغياً بل أنه بحاجة إلى إعادة دراسة وحشد جماهيري، لذا فمن حق العضو القيادي بالأحزاب الليبرالية الاتصال المباشر مع القواعد، وعرض فكرته عليهم وجمع التواقيع المؤيدة له مما يعطيه فرصة ثانية لإعادة التصويت وأحياناً فرصة عاشرة لإعادة التصويت، فهي ليست عملية مرفوضة أن يكون هناك عضو قيادي رافض لتوجه القرار الجماعي للقيادة، ويقول بوب كار من حزب العمال الاسترالي أنه يسعى لبناء تأييد قاعدي لوجهة نظره للاعتراف بالدولة الفلسطينية رغم أن قرار المكتب السياسي للحزب ضد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ويؤكد أن نهجه ديموقراطي ولا يعتبر انقلاباً ولكن الحسم النهائي يكون بإعادة التصويت على القرار بالمؤتمر الحزبي العام.
ومهما كان التجنح مرفوضاً إن كان نهجه انقلابياً وهدفه تغيير قيادات أكثر من تغيير قرارات إلا أنه صحي ومقبول إن كان الهدف منه مشاركة القواعد التنظيمية والأطر القاعدية بإعادة النظر بقرارات القيادة، إنه أشبه بمؤتمر عام  مفتوح لكل أبناء التنظيم السياسي ضمن الفكر التروتسكي الذي يساوي بين كل الأعضاء داخل المؤتمر الحزبي العام، أي أن العضو القيادي والعضو القاعدي لهما نفس الحقوق، إلا أن هذا الفكر كان ممكناً ضمن مفهوم التنظيم السياسي المغلق وله هيكلية ثابتة أما ضمن التطور الحاصل بوسائل الاتصال وتكوين أجهزة ومؤسسات للتنظيم السياسي لا تكون لها هيكلية تنظيمية تراتبية تجعل مسألة صناعة الأزلام ضعيفة مقابل التجمهر نحو تغيير قرار قيادي ليس له شعبية في الأطر القاعدية.
لا يمكن القول أن التنظيم السياسي المغلق أفضل من التنظيم السياسي المفتوح، بل أن التطور الفكري الحاصل جعل أغلب التنظيمات تنتهج انفتاحاً أكبر نحو الفكر الليبرالي، وحتى التنظيمات اليسارية لها آليات عمل ليبرالية خصوصاً بموضوع الاتصالات الداخلية، وطرق صناعة القرار، فالمنافسة السياسية بين التنظيمات السياسية في كسب التأييد الشعبي اللازم للوصول للحكومة أو قيادة ثورة تحتاج لهذا الانفتاح السياسي والتعديل الفكري ومواكبة العصر من خلال تعلُّم الدروس من تجارب الثورات المعاصرة وفكر اليسار المتحرر من الماركسية والمقترب أكثر لأفكار هوغو شافيز.

كلمات مفتاحية
كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق