فن الكلام الصادق والمظهر الفصيح (الحكيم)

23 سبتمبر 2018 - 06:49
بكر أبو بكر
صوت فتح الإخباري:

يحكي أن رجلا ميسورا كان لديه ابن شاب لا يعرف معنى الحياة، ويشكو دوما من التعاسة رغم وفرة النِّعَم، ولكي يُعلمه والده معنى الحياة ومعنى السعادة فيها، أرسله لحكيم من المتصوفة المسلمين يقطن في قلعة على قمة الجبل.
حين وصل الابن للقلعة بعد مشقة وجهد جهيد، وجدها قلعة عظيمة وكبيرة،وحين دخلها وبعد انتظار لمجموعة من الناس تحاور الصوفي الحكيم، وتتلقى الاجابات، قال الابن لهذا الحكيم بعد السلام عليه : أرسلني اليك والدي لتعلمني وتخبرني بسر الحياة؟
تبسم الصوفي الحكيم، وبهدوء وحرص قال له: حسنا، ولكن دعنا أولا نقوم بهذه التجربة الصغيرة ووضع بين يدي الشاب ملعقة بها قليل من الزيت، وقال له: اخرج وتمشّي بين جنبات هذه القلعة، وارجع لي بهذه الملعقة واحرص على ألا يسقط منها قطرة زيت ...
خرج الشاب وطاف بكل أنحاء القلعة التي تشبه القصر لسبب عناية المريدين وتبرعاتهم، ثم رجع إلى الحكيم، وقد حافظ على الزيت من أن ينسكب
سأل الصوفي : هل رأيت الحديقة الجميلة المليئة بالأزهار،التي تطل عليهاالقلعة؟
قال الشاب : لا !! 
فسأله مرة أخرى : هل شاهدت مكتبة القلعة، وما فيها من كتب قيمة ؟ 
فرد الشاب : لا !! 
فكرر الصوفي سؤاله : هل رأيت التحف الرائعة المبثوثة بنواحي القلعة ؟؟
فأجاب الشاب :لا !! 
فسأله الحكيم : لماذا ؟ 
فرد الشاب : لأنني لم أرفع عينيّ عن ملعقة الزيت خشية أن تسقط مني قطرة.. فلم أري شيئا مما حولي بالقلعة !!
فقال له الحكيم : ارجع بملعقة الزيت، وشاهد كل ما أخبرتك عنه وعد إليّ.. ثانية
ففعل الشاب مثل ما قال الحكيم وشاهد كل هذا الجمال ورجع إليه دون الزيت 
فسأله الحكيم: قل لي ماذا رأيت؟
فانطلق الشاب يروي ما رأه من جمال وهو منبهر وسعيد.
فنظر الحكيم لملعقة الزيت بيد الشاب فوجد أن الزيت انسكب منها.
فقال له : انظر يا بني.. هذا هو سر الحياة وسر السعادة !! 
نحن نعيش في هذه الدنيا.. وحولنا الكثير من نعم ربنا لنا،ولكننا نغفل عنها ولا نراها ولا نقدرها لسبب انشغالنا عنها بلا توازن بهمومنا وصغائر ما في الحياه، ولأننا ننهمك بشيء وننسى غيره، فلا نتوازن.
وأضاف الحكيم المسلم: الحياة يا بني هي بالتوازن بين ما تملك وما تصبو اليه، بين ذاتك ومطالب الآخرين، بين واجباتك وحقوقك.
الحياة السعيدة هي بأن تقدّر النعم الكثيرة فيك أنت كانسان وفي من حولك وما حولك، وتسعد بها، وتتعلم مما ألم بك من هموم و مشاكل فلا تطغى على كيانك، وإنما أنظر لها مثل ملعقة الزيت.. فالمشاكل والهموم موجودة وعليك التعامل معها، ويمكنك تنحيتها جانبا لفترة وتستمتع بالنعمة أيضا، فلكل وقته ولكل جواب مسألته. 
قال الله تعالى: "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ" وقال: " والوزن يومئذٍ الحق فمن ثقلت موازينه " وقال: "وأنزلنا معهم الكتاب والميزان" وفي كل ذلك فالميزان يفهم أنه العدل وأنه القانون وانه الناموس وانه العقل وانه التوازن.

التوازن
وهكذا في كل أمر فنحن بالعقل نتوازن، نكيل فنقدّر ونزن، ونحن في كافة مناحي حياتنا مأمورون بتحقيق التوازن فلا تفريط ولا إفراط والا تعصب ولا تشدد ولا تساهل، ولا امتهان وهو ما احببت أن ابدأ به محاضرة اليوم عن فن الحديث أو فن إدارة القول، بل ويتفق المثل مع أي عمل يقوم به الانسان إذ عليه التوازن بين عديد عوامل داخلية وخارجية. 
أن تقول ما تريد أو تقول ما يُقبل؟ أم انك تقول حسب الموقف؟ أم القول يخرج منك بلا حسبان؟ ألك أن تظل تقول وتغلق أذنيك ؟ أترى في القول ضوابط أم قواعد أم أنه لمجرد متعة الحديث؟ في القول تساءلات عدة وفي إدارته واتقانه نسبة عالية من تحقيق التوازن بين عديد العوامل التي منها بين ما تبغي وما يقتضيه الموقف.
وفي هذا الامر أي فن الحديث والفصاحة والكلام الصادق، يمكننا أن ننظر لكلام علي بن أبي طالب (رض) في احسان العمل أي عمل، إذ يقول بشمولية البليغ والفصيح والحكيم ما نقتدي به: «قيمة كل امرئ ما يحسن»، يا لله ما اجمل هذا اللفظ من صاحب نهج البلاغة ومعلم الفصاحة.
ولي أن أذكر لكم موضوعا ذو صلة وان غير مباشرة، ولكن تتعلق بالتوازن والميزان: إذ يقول الخطيب البغدادي في كتب اخلاق الراوي "ان رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الميزان الاكبر فعليه تعرض الاشياء على خلقه وسيرته وهديه فما وافقها فهو الحق وما خالفها فهو الباطل". وفي سياق آخر فالميزان المذكور في القرآن الكريم يعني العدل ويعني القسطاس ويعني القوانين المتحكمة بالدنيا والناموس ويعني في تفاسير اخرى العقل.

القول وفن الحديث وأكثم وحُذام
يقول ابن منظور في لسان العرب: "القول الكلام على الترتيب ، وهو عند المحقق كل لفظ قال به اللسان تاما كان أو ناقصا ، تقول: قال يقول قولا ، والفاعل قائل ، والمفعول مقول ، قال سيبويه : واعلم أن قلت في كلام العرب إنما وقعت على أن تحكي بها ما كان كلاما لا قولا ، يعني بالكلام الجمل، كقولك : زيد منطلق ، وقام زيد ، ويعني بالقول الألفاظ المفردة التي يبنى الكلام منها ، كزيد من قولك : زيد منطلق ، وعمرو من قولك : قام عمرو.
العرب تقول للرجل إذا كان ذا لسان طلق: إنه لابن قول، وابن أقوال، وهو ابن أقوال وابن قوال ، أي : جيد الكلام فصيح." 
يقول الأثر العربي في مواجهة الشعوبيين (العنصريين قوميا) أن العرب أخطب الأمم قاطبة لحضور بديهتهم وزرابة لسانهم وفطرتهم المطبوعة.
ولاهمية الكلام والحديث يمكننا أن ندرك معنى أننا نستخدم 800 كلمة في محادثاتنا اليومية، لكن قد يكون لها 14000 معنى مختلف كما يذكر "نيدو كوبين" في مؤلفه كيف تصبح متواصلا جيدا.
إن نسيج الكلام والحديث والخطاب فن وعلم ف(بعض الكلام أقطع من الحسام) كما قال حكيم العرب أكثم بن صيفي، ولا يتأتى ذلك الا لاتقان حرفة تنبيء بفن ف(العُدم عدم العقل) كما يقول أيضا، لذا ف(خير القول ما اتبع) ومن هنا فإن مواصفات القول المؤثر أن يكون صادقا وعقلانيا وبالتالي سيكون من الحسام أقطع أي أنه مؤثر، ما كان تشاوريا لأن (المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل)، وأهمية المصداقية بالقول والحديث أن به المثل يضرب، فلقد ذكر المؤرخون أن عاطس الحميري صار إلى قومِ حذام بنت الريان في جموعٍ فاقتتلوا، ثم رَجِعَ الحميري إلى معسكره وهرب قومُها، فساروا ليلتهم ويومهم إلى الغد، ونزلوا الليلة الثانية، فلما أصبح الحميري ورأى جلاءهم اتبعهم، فانتبه القطا من وقع دوابهم، فمرت على قوم حذامِ قِطَعاً قِطعاً، والعرب معروفة بالفطنة واستنباط الأخبار من تصرفات الحيوان، فخرجت حذامِ إلى قومها فقالت:
ألا يا قَومَنا ارتَحِلُوا وسِيرُوا فَلو تُرِكَ القَطَا لَيلاً لَنَامَا
فقال زوجها الشاعر لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل:
إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا
فَإِنَّ القَولَ مَا قَالَتْ حَذَامِ
فارتحلوا حتى اعتصموا بالجبل، ويئس منهم أصحاب عاطس فرجعوا،
وهكذا أصبح اسم حَذامِ مضرب المثل في صدق القول، وصحة النقل، لا سيما أن الحكيم أكثم بن صيفي لطالما قال في الصدق قولته حيث اعتبر أن "افضل الخطباء أصدقها".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق