امتحان الوطنية الفلسطينية

12 يونيو 2018 - 08:57
طلال عوكل
صوت فتح الإخباري:

هذه المرة تقرر إسرائيل على نحو مفاجئ تشديد الحصار على قطاع غزة لتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه في الأشهر الأولى من فرض الحصار حين سمحت إسرائيل بإدخال المواد الغذائية والدوائية، وتزيد على ذلك تحديد مساحة الصيد البحري بثلاثة أميال فقط.
مصدر الدهشة أن المراقبين أصابهم الملل لكثرة الحديث الصادر عن مسؤولين إسرائيليين يتباكون من خلاله على الأزمة الإنسانية التي تعصف بقطاع غزة، بل ويقدمون عروضاً كان آخرها الرصيف البحري مع قبرص. للدهشة مصدر آخر، وهو أن الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين، ذهبوا نحو الاعتقاد بأن إسرائيل قد تصعد عدوانها على قطاع غزة، بعد أن عيل صبرها في مواجهة الحراك الشعبي السلمي شرق القطاع. لم تتوقف إسرائيل عن البكاء الكاذب على أحوال الناس، ولا توقفت عن إطلاق التهديدات مرة بالاغتيالات ومرة بالقصف في قلب غزة، ومرات باجتياح القطاع للتخلص من سيطرة حركة حماس عليه.
فقط الجهلاء في السياسة، يمكن أن يصدقوا التبرير الذي قدمه وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان الذي وضع قرار الإغلاق في سياق الرد على الطائرات الورقية والبالونات الحارقة التي تؤرق مستوطني غلاف غزة. في الأشهر الأولى للحصار الإسرائيلي على القطاع عام 2007  وجد الناس حلولاً دون تكاليف سياسية، حيث نشطت عمليات حفر الأنفاق، وظهر ما يسمى باقتصاد الأنفاق، الذي ترك آثاراً عميقة على فئة التجار ورجال الأعمال التقليديين، غير أن اليوم يختلف عن البارحة، فلقد انتهى عصر الأنفاق واقتصادها الأمر الذي سيفاقم الأزمات في القطاع، هذه المرة الحلول الممكنة لأزمات القطاع ستكون ذات أبعاد وأغراض سياسية بامتياز. ثمة خياران للتعامل مع أزمات قطاع غزة، الذي لم يعد لدى سكانه فائض صبر وصمود، فإما هو الخيار الفلسطيني وإما الخيار الأميركي الإسرائيلي.
هذان الخياران محشوران، ويتنافسان في مساحة زمنية محدودة جداً جداً. القاهرة تدعو الطرفين حماس وفتح للحوار مجدداً حول إمكانية تحقيق المصالحة الفلسطينية. يدرك الطرفان كما تدرك القاهرة أنه لا فائض وقت لاستنزافه في حسابات متعارضة، وتدرك كل الأطراف أن آليات التعامل مع اتفاقيات المصالحة سابقاً، قد فشلت فشلاً ذريعاً، ولا يمكن العودة لتجريب المجرب. إذاً لا بد من اللجوء إلى أفكار إبداعية جديدة، وإلاّ فإن السياسة الأميركية الإسرائيلية لا تنتظر، وتنطوي على جدية عالية واستعجال شديد.
ثمة من يقول إن الولايات المتحدة تركز جهودها على قطاع غزة، باعتباره الحلقة الأولى من مخطط صفقة القرن، وأن مبعوثَيها إلى المنطقة مؤخراً، استهدفا جمع مليار دولار لتأهيل قطاع غزة ومعالجة أزماته. ثمة من لا يريد أن يصدق أن صفقة القرن هي قيد التنفيذ منذ أن أعلن ترامب قراره بشأن القدس وأتبعها بسياسة تجفيف الأونروا حتى بدا مشكوكاً أن تفتح المدارس في موعدها. 
غزة هي الحلقة التالية في المخطط الأميركي الذي جرى ترجمته حرفياً عن المخطط الإسرائيلي. هذا المخطط يقوم على: أولاً، منع الفلسطينيين من إنجاح مسيرة المصالحة الوطنية واستعادة الوحدة، ولذلك جاء القرار الإسرائيلي بتشديد الإغلاق قبل أيام قليلة من وصول وفد حركة حماس إلى القاهرة. ثانياً، وبذرائع منع غزة من الانفجار على خلفية الأزمة العميقة والإنسانية التي يعاني منها السكان، تتحدث الإدارة الأميركية عن حل لغزة في اطار إقليمي. ثالثاً، يتم معالجة الأزمات التي يعاني منها سكان قطاع غزة من خلال وكالات ومؤسسات دولية، والأرجح بتمويل عربي، وربما أيضاً من خلال بعض الدول العربية. رابعاً، تستهدف عملية التأهيل إقامة البنية التحتية لكيان فلسطيني في غزة، تمهيداً للانتقال إلى الضفة الغربية التي تنتظر إسرائيل تقطيع أوصالها وتحويلها إلى كانتونات معزولة، ومصادرة الجزء الأكبر من أرضها، وتعزيز سيطرتها الأمنية عليها بالكامل.
في الاتجاه ذاته فإن إقدام إسرائيل على تشديد الحصار على قطاع غزة، يشكل جزءاً من الضغط الذي تمارسه على حركة حماس التي تدير مفاوضات غير مباشرة من خلال قطر وألمانيا ومصر، لمعالجة العديد من الملفات وأهمها السلاح، والأسرى، والحراك الشعبي شرق قطاع غزة. إسرائيل تريد تضييق الخناق حتى تحصل على أفضل شروط ممكنة، خاصة وأن بدائل حماس محدودة جداً جداً، في حال فشلت الفرصة الأخيرة المتاحة لتحقيق المصالحة.
يذهب البعض بعيداً حين يرجحون أن يكون ذلك مقدمة لتصعيد عسكري، وبعض هذا البعض لا يستبعد أن تبادر حركات المقاومة إلى مثل هذا التصعيد، إذا وجدت نفسها دون خيارات.
القراءة المدققة لظروف مثل هذا التصعيد تفيد أولاً، بأن المايسترو الأميركي لا يجد فائدة من ذلك، فهو قادر على تنفيذ مخططاته إزاء غزة، دون خلط أوراق، وحتى دون موافقة أحد، لا حماس ولا السلطة الشرعية. ثانياً، إسرائيل لا تبحث عن ذلك، ولو وجدت لها مصلحة في هذا الخيار لكانت أقدمت عليه منذ بعض الوقت فضلاً عن أنها لا ترغب في معارضة حليفها الأميركي. وبالمقابل فإن حركات المقاومة، لديها خيار أفضل وهو الجاري منذ ثلاثين آذار على الحدود الشرقية لقطاع غزة، ويمكنها أن تصعد هذا الحراك بقدر يستفز إسرائيل أكثر. إذاً ثمة سباق بين الخيار الفلسطيني والخيار الأميركي الإسرائيلي، والعاقبة على أكتاف المسؤولين في حماس وفتح.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق